إحتضان القمم

إحتضان القمم

بقلم داليا كيكاشرو

أعمل خمسة أيام في الأسبوع ولمدة 8 ساعات في اليوم كغيري من ذوي المهن في مختلف أرجاء العالم، لكن خلافا لمعظم المهنيين، احبذ الاستيقاظ مبكرا عند الساعة الخامسة فجر عطلة نهاية الاسبوع كي استعد للانطلاق نحو الجبال، غير مبالية بدرجة حرارة  الجو أو حتى مدركة لها.

غالبا ما يطرح عليّ الكثيرين السؤال نفسه: لما أوثر الاستيقاظ مبكرا والتوجه الى الجبال على دفء سريري صباح أيام السبت؟ لما هذا السعي وراء ركوب المخاطر؟ لما المجازفة؟ أليس هذا السعي بأناني؟ وغيرها من الأسئلة التي لا أخفيكم، فكرت فيها مطولا في واقع الامر.

كامرأة قادمة من منطقة ما في العالم حيث لا تتوفر للنساء فيها فرصة تقرير مسار حياتهن، تعد ممارسة نشاط كتسلق الجبال بمثابة تلبية لرغبة التمكين لدي! فالاستيقاظ في ساعة مبكرة من الصباح لتهيئة الوجبات الخفيفة التي سأتناولها في رحلتي والتوجه نحو المرتفعات لتسلق جبل ارتفاعه 2000- 3000 متر! يعد هذا أنجازا وامتيازا بحد ذاته.

وفي حقيقة الامر، أتوجه نحو الجبال لاتمكن من رؤية ما لم تشاهده عيناي من قبل. فهناك الكثير مما تشاهده العين من الخارج ولكن في المقابل الكثير مما ستراه من الداخل. فبالإضافة إلى الاستمتاع بالمناظر الخلابة واستنشاق الهواء النقي فضلا عن التعرف على أشخاص رائعين، ستتكون لدي فرصة لرؤية نفسي بشكل جديد واتعرف على سبل جديدة للتفاعل مع الصعوبات ومواجهتها. الصعوبات التي طرحت نفسها أمامي في كل خطوة خلال مسار حياتي منذ ولدت عام 1978 في قرية صغيرة تقع على الحدود الإيرانية العراقية. فبعد فترة وجيزة من ولادتي تم إجلاء عائلتي من القرية للانتقال إلى “بلدة جماعية” تقع بالقرب من مدينة حلبجة، قريتي التي فقدت عائلتي فيها جميع المزارع التي كانوا يعيشون منها.

لا زلت أذكر أول جبل تسلقته في حياتي حين كنت في التاسعة من عمري. عندها،  جبرنا للجوء الى ايران إذبان القصف الكيميائي على مدينة حلبجة عام 1988. فلا تزال جروحنا تأن من جراء تلك الحادثة المؤلمة حيث بدت الشلالات وصدوع الثلوج المتراكمة والمسارات الشاقة في جبل قنديل آمنة ورائعة للناظر. استأجر معظم اللاجئين الخيول، وبما أننا فقدنا كل شيء في حلبجة، كان علينا السيرعلى أقدامنا المنهكة لأكثر من 30 كيلومترًا، الأمر الذي استغرق منا حوالي 15 ساعة. في وقت لاحق، قررنا العودة إلى العراق، كي يتسنى لنا الالتحاق بالمدرسة وعدم تفويت العام الدراسي. التعليم هو الشيء الوحيد الذي جعل اهلي، الذين كانوا من الفئات الأمية، يعطون الأولوية له على الدوام. أولوية كانت كفيلة بتعريض حياتنا للخطر وعبور الحدود الإيرانية-العراقية بشكل غير قانوني من أجل تحقيقها! اليوم وفي حوزتي درجتي للماجستير ودرجة بكالوريوس ونصف دزينة من شهادات الدبلوم، أدرك تمام الادراك وأقدر جهود والداي أكثرمن أي وقت مضى. وغالبا ما أتساءل عما كان سيحدث فيما لو لم ارتد المدرسة فأنى لي بالحصول على مثل هذه الرؤية ومثل هذا الادراك؟

يعد تسلق الجبال نشاطًا شاقًا للغاية وينطوي على الكثير من المخاطر، ولكن المكافآت مجزية وتجعل من المخاطر تجربة قوية ومؤثرة. وبالنظر إلى بدايتي في قرية صغيرة وقدرتي على الوقوف على قمم الجبال التي يبلغ ارتفاعها 6000 متر حول العالم اليوم، لا يسعني الا الشعور بالامتنان لأولئك الذين رحلوا عن هذا العالم ممن مهدوا الطريق لنجاحي. فكلي أمل أن يكون هناك نساء أخريات بعدي ممن يطمحن الى بلوغ هدفهن والوصول الى القمة مهما بلغ حجم الصعاب ومشقتها في الحياة.

وفي نهاية المطاف، فأن أيجاد التوازن الروحي بين الحياة وبين تذليل الصعاب هو ما  يحثني على الاستمرار. ورحلة اسكتشاف الذات هي اهم من مجرد الاستكشاف في الهواء الطلق وهو ما يجعلني اتكيف مع امكانياتي وما يساعدني على النهوض بنفسي. وبهذه المناسبة أود ان اعبر عن ايماني العميق بمقولة السير ايدموند هيلري متسلق الجبال النيوزلندي الشهير حين قال: “ليست الجبال هي ما نسعى للتغلب عليها وانما انفسنا”

Leave a Reply