الاعتدال المفقود بقلم: نور حامد

الاعتدال المفقود

نور حامد

بقلم نور حامد

هنالك قول مأثور في اللغة العربية ما يعني جوهره أن ما يقع في المنتصف من الامور هو خيرها أو خير الامور أوسطها أو خير الحلول هي الحلول الوسط. يبدو هذا القول منطقيا،  أليس كذلك؟ الاوسط حيث الاعتدال والاتفاق والحلول المرضية لجميع الأطراف إلى حد ما. الاوسط حين تبرم الاتفاقيات لإنهاء حروب وحشية وحيث تنجح المفاوضات في تسوية الصراعات لإحلال السلام. الاوسط الذي يخلق التعايش بين الناس.

السؤال الذي لطالما جال في خاطري هو ما الذي حل بالاوسط في ظل ما نراه ونعيشه اليوم؟ فلا يكاد المرء ان يكون في حل من الملامة ودون اتهامنا له بالخيانة لانه لا يدعم فئة من الاشخاص أو حكومة ما أو أديولوجية بعينها، أو طرف ديني بذاته. فلن يصدق أحد بأنك في الوسط. فإن أنتقدت طرف بذاته فهذا سيجعل منك تلقائيا حليفا للطرف المعاكس له حتى وإن لم تكن تدعم الطرف المعاكس أصلا. باتت الأمور كلها تتشح بلونين فقط هما الاسود أو الابيض ولا مكان للظلال الرمادية في المنتصف.

تكمن العقدة في انعدام الاعتدال في أنها قد تترجم إلى أفعال تسبب الموت والكراهية الى ما لا نهاية والتي من شأنها أن تستمر لأجيال قادمة. فهي لا تقتصر على منطقة واحدة أو بلد بذاته والسبب مرده أنها أنتشرت في جميع أنحاء العالم الواقعي والافتراضي على حد سواء. فلا يمكنك  اليوم أن تنشر أي شيء في حسابك على موقع الفيسبوك أو على موقع تويتر دون أن يحاول الناس تفسير الغاية وراء هذا المنشور. وكثيرا ما أجد نفسي مضطرة للشرح وبأسهاب المرة تلو الاخرى عن السبب وراء نشري لوجهة نظر معينة أو لمقال معين. وحتى بعد أن أشرح موقفي وبوضوح بشأن قضية ما، فما دمت لا أقف مع فئة معينة ، تعد أرائي غير صالحة أو أتهم بمحاولة إخفاء دعمي لمجموعة معينة وكأن الامر اصبح مستحيلا أن يكون المرء محايدا.

لا يسعني الا التساؤل عما جرى وكيف تهنا عن بلوغ الوسط؟ متى بلغنا درجة التطرف تلك؟ ولما ينبغي لمعارض طرف ما أن يكون داعما للطرف المعاكس؟

يتوق المرء وهو يعيش في عصر يسهل فيه الحصول على المعلومات وبأرخص الطرق ان يكون الناس موضوعيين وواعين أكثر. ففي حين بات الناس يعيشون في عالم يرتبط ارتباطا وثيقا يتطلع المرء فيه ان يكونوا اكثر تسامحا وقبولا لبعضهم البعض ويتأمل أن يلجأ الناس الى استخدام جميع وسائل التواصل التي ابتكرتها التكنولوجيا الحديثة للاستماع الى أحدهم الآخر والتعلم من بعضهم البعض عوضا عن الاستماع الى ردود وإجابات معدة سلفا. كما ويتأمل المرء ان يصيب الناس الحقيقة معا بدلا من التجادل لإثبات الخطأ في حق بعضنا البعض.

 كيف ياترى فقدنا الاعتدال وكيف اصبحنا مغالين في كل صغيرة وكبيرة وأتسائل عن ماذا وكيف والى متى سيستغرق منا الامر للعودة الى الوسط حيث نحترم ونجتهد محاولين فهم وأستيعاب أحدنا الآخر. وعلى أيه حال، فأنا اعتقد جازمة أنه طالما ابتعدنا كل البعد عن الوسط سنبقى تائهين في عالم تسوده الكراهية والظلام.

Leave a Reply