المرأة هي من ينقل التقاليد وينقل التاريخ والثقافة. وهذا ما صرحت به هيفاء زنكنة في مقابلة حصرية مع مجلة نينا

النساء العراقيات الأكثر تقدما بين أقراهن في الشرق الأوسط في العقود الماضية

منذ أنخرطت المرأة العراقية في سوق العمل في مطلع الثلاثينيات من القرن المنصرم ، سرعان ما أصبحت مدعومة بالمجلات النسائية والمنظمات النسائية العديدة والتي تفانت من اجل حصول المرأة على حقوق متساوية إسوة بأقرانها من الرجال

سبق العراق جيرانه من العرب وكان الرائد في تعيين أول قاضي وأول وزير للدولة من النساء في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي

كما وعدت النساء العراقيات الاكثر تعليما في المنطقة وكن ناشطات على الصعيد الاقتصادي ودرسن وعملن في مجالات مرموقة مثل العلوم والهندسة في عقدي الستينيات والسبعينيات

وعلى الرغم من أولوية الحكومة وإتجاهها نحو الانفاق على الدفاع في الحرب الايرانية العراقية خلال عقد الثمانيات، إلا ان المرأة العراقية أجتهدت في سبيل المشاركة في إثراء الاقتصاد العراقي وشغلت أماكن مختلفة في المصانع والمؤسسات الحكومية بالاضافة الى تبؤها لمناصب عديدة في الشركات الصغيرة

وبعد عقود من النضال والتفاني في سبيل الحصول على التحرير والمساواة، تكافح النساء العراقيات اليوم وبعد 13 عاما من الغزو الامريكي للحصول على أبسط حقوق الانسان

تعلق هيفاء زنكنة وهي الروائية العراقية والناشطة السياسية والمؤسس المشارك ل “تضامن” وهي جمعية تضامن النساء العراقيات وتقول: “شهد مستوى المرأة تراجعا مهولا بشكل صادم”

يعتبر العراق على الأرجح واحد من البلدان القليلة في العالم التي نجد فيه الجدة أكثر ثقافة من ابنتها وأحفادها وكل هذا مرده الوضع المأساوي الذي يعيشه العراق”

كان عقد السبعينات بمثابة العصر الذهبي للمرأة العراقية وجاء تتويجا لعقود من النضال واضعا المرأة على طريق الاستقلال المادي والمساواة.

تقول هيفاء “جاء عقد السبعينات نتيجة تراكم تاريخ طويل من النضال ومحاولة تحقيق المساواة وبدء تقدير دور المرأة كقوة محركة في بناء البلاد التي بدأت بعيد ثورة العشرين في العراق”

“ثم أعقبت ثورة العشرين حقبة الثلاثينيات التي كانت حافلة بالمنشورات والإصدارات والمجلات النسائية وهي الحقبة التي انخرطت فيها النساء العراقيات في الاحزاب السياسية والحركات والمنظمات الخيرية بما في ذلك إنشاء هيئة الهلال الأحمر”

“أرسلت الحكومات العراقية المتعاقبة المرأة العراقية للدراسة خارج العراق وهي الظاهرة التي بدأت في أواخر عقد الثلاثينيات ليصبحن طبيبات وقاضيات ووزيرات في عقد الخمسينات”

“ثم نشأت حركة التحرير وهي حركة التحرير الوطنية وتحرير المرأة التي كانت ثقافية بطابعها والتي أزدادت فيها حركة كتابة الشعر والقصص القصيرة ونشرها في الصحف المتنوعة بأستخدام أسماء مستعارة وفي ذات الوقت تواجدت عدة منشورات أستطاعت فيها النساء نشر أعمالهن تحت أسماء مختلفة كيفما شئن”

تضيف هيفاء زنكنة “تزامن هذا التطور مع نمو الاقتصاد واكتشاف النفط وعاشت البلاد حقبة جديدة تنعم فيه المجتمع بحياة رغيدة أستفادت منها النساء وكان لهن نصيبا فيها”

” حين تكون مستقلا ماديا واقتصاديا، يمكنك المضي بحياتك وفرض وجودك وتحدي التقاليد من أجل ضمان مكانك بين عموم الناس فضلا عن مكانك في تطوير البلاد. بلغ التطور الاقتصادي ذروته في حقبة السبعينات ليس لان الحقبة ذاتها شهدت الشئ الكثير من التطور على الصعيد العالمي وإنما حدث التطور نتيجة النمو المتراكم الذي حدث على امتداد العقود السابقة

” بينما كانت النساء تساهم في جميع جوانب الحياة كانت جميع الوظائف حكرا على الرجال الامر الذي شجع الحكومة في ذلك الوقت على دراسة العلوم وخاصة بالنسبة للنساء. حرمنا هذا التشجيع على دراسة العلوم والتكنلوجيا من كتابة الشعر والرواية لكن الضرورة أستدعت الحكومة لهذا الإتجاه من أجل تطوير البلاد”

توقف هذا التطورإذبان الحرب العراقية الإيرانية ولم يكن هذا مؤشرا على بداية التراجع حتى ذلك الحين كما تردف هيفاء وإنما تحولا في أولويات الحكومة آنذاك

كانت حرب الخليج الأولى والعقوبات المهينة التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق خلال مطلع التسعينات “بمثابة العد التنازلي الحقيقي للتطور الاقتصادي” كما تعلق هيفاء

“أضطرت النساء للتخلي عن وظائفهن حين بات الحصول على ملابس لائقة للذهاب بها الى العمل أمرا مرهقا ومكلفا للغاية ولا يتساوى وعناء العمل من أجله”. ومع أنخفاض قيمة العملة المحلية أصبح ما يتقاضاه المواطن العراقي يعادل 2 أو 3 دولارات شهريا

“”بدأ مستوى التعليم يشهد تراجعا مهولا وتلقى ضربة موجعة في العراق

أصبح للنساء دور جديد إذبان الغزو الأمريكي النساء. “ليس لإن المرأة أكتسبت حياة جديدة، أو لأنها أستفادت من أي تنمية حقيقية في المجتمع سواء بالديمقراطية أو بحقوق المرأة لكن لانها اعتنقت التغيير الذي جاء إثر الخطر الذي أحاط بالرجال خشية خروجهم الى العلن واستهدافهم عند نقاط التفتيش في أرجاء البلاد”

” لم تكن النساء مستهدفات ولم يتعرضن لمخاطر الإغتيال وبذا أصبحن القوة الحقيقة التي تظهر للعلن فرغم المخاطرة بحياتهن إلا أنهن قبلن التحدي”

تداعت عقود التقدم بسرعة منذ عام 2003 وأصبحت الصراعات الطائفية المنتشرة الآن في البلاد تعرقل سير التنمية بلا هوادة وبات للأمن والبقاء على قيد الحياة الأولوية في حياة الأفراد بدلا من التعليم وتوفير فرص العمل

لدى العراق اليوم 4 ملايين نازح داخليا و 10 مليون شخص في حاجة ماسة للغذاء والدواء، والنضال من أجل توفيرهما هو الهدف الأكثر أهمية. في بلد يكافح فيه المواطنين لنيل أبسط حقوق الإنسان – “لا شيء خيالي مثل حرية التعبير مثلا” – لأن الأعراف الثقافية هي الأخرى على المحك هنا. “المرأة تمثل وحدة المجتمع وهي من ينقل التقاليد وينقل التاريخ والثقافة وهذا هو الموروث الذي نشأنا على سماعه منذ الصغر”

“يمكنك أن تشعر بالانشقاق الثقافي المستمر بين الجيل الجديد. فهم لايعرفون الشيء الكثير عما حدث سابقا ورؤية اليأس من إنعدام الإدراك بمعنى الوحدة الوطنية أو ما يجري في العراق ما أنعكس سلبا على الهوية العراقية بشكل عميق”. ” تحدث العديد من التغيرات الثقافية حين تسود الفوضى في البلاد في غياب سيادة القانون”

قبل أقل من 50 عاما، أعتبر تعليم المرأة أمرا حيويا لبناء الدولة ومشاركتها في تطور الإقتصاد امرا مهما لتتبوء البلاد مكانة عالمية

بينما شهدت العقود الثلاثة الماضية في العراق والتي مزقتها الصراعات والحصار الإقتصادي والحروب الأهلية – هيمنة أخبار مثل أندثار المدارس وانتشار العنف القائم على النوع على عناوين الصحف والجرائد

وأندثرت حقوق المرأة وانتشر زواج الأطفال من الفتيات اللواتي لا تتجاوز اعمارهن 13 عاما كوسيلة للتخلص من الفقر والحصول على المهر وحماية الزوج

“حين يغيب القانون سيستمر الظلم من غير أن يتعرض أي شخص للمسائلة ” كما تعلق هيفاء. غير إن الأسر التي تختار ألا تتعلم بناتها وتنهاهم عن العمل ستساهم في أدامة الفقر. فالمرأة العاملة ستساهم في إثراء الأسرة وستزيد من دخلها

يواجه تمكين المرأة العراقية أقتصاديا العديد من العقبات كأنتهاك الأمن وأنعدام القانون مرورا بالقيود الثقافية وانعدام الحافز المؤثر من الحكومة. رغم ذلك كله لا زالت هيفاء متفائلة لحدوث التقدم من جديد

وكما هو الحال فيما لو حصل ذات الأمر في بلد آخر، كافحت النساء على مدى عقود للحصول على هذه الإنجازات. وحينما تشعر بأن حياتك وحياة أسرتك وأمنك مهددا ومعرضا للخطر، فستلجئ حتما الى استخدام آليات أخرى للطوارئ وهذا ما نفعله اليوم في العراق”

” حين يتغير الوضع الراهن ويسود السلام كما في السابق ستستعيد النساء ما حققنه من منجزات على مدى القرون المنصرمة”

بقلم شمس الشكرجي

Leave a Reply