كتابة الرسائل الخطية – الفن المفقود

كتابة الرسائل الخطية – الفن المفقود

بقلم أناليس فريوو

التواصل:  ما الذي يعنيه حقا في عصرنا اليوم؟ بالنسبة لمعظمنا فهو هاجس البقاء متصلين مع العالم الخارجي  بلا هوادة  طوال اليوم  وعلى مدار  أيام الأسبوع.  في الوقت الذي تتوفر فيه العديد من الوسائل كي نبقى  “متصلين”، فكيف نبقى على  “إتصال”  مع الآخرين تحت أي مسمى والحفاظ على هذا التواصل وتعزيز قيمة العلاقات الشخصية  في ذات الوقت بأستخدام  رد  يتألف من مجرد كلمة فورية  لصديق، أو بأستجابة ألكترونية غاضبة  أوعاجلة  أو باعثة على الأسى؟ أظن  أن هناك سبيلان: أحدهما هو التواصل وجها لوجه، والآخر بالتواصل عن طريق الكتابة الخطية على الورق. لكلتا الطريقتين فوائدهما. حيث تتيح الاولى الاتصال الفوري الذي لا يتطلب المران أو التدريب وهو تواصل آني وغير مصطنع و أحيانا ما يتطلب التواجد الشخصي مع الاخرين في الوقت الذي لا يفي فيه  البريد الإلكتروني أو المكالمة الهاتفية بالغرض. أما الطريقة الثانية فهي  مدروسة بشكل أكبر وتراعي مشاعر الاخرين. فهي لا تعد وليدة اللحظة ولا تعتمد على قراءة رد فعل غريزي، أو على تعبيرات الوجه أو نبرة الصوت لانها تعتمد بالاساس على قراءة الكلمات التي من خلالها يمكن استشفاف تعبيرات الوجه ونبرة الصوت.  الكلمة المكتوبة مؤثرة للغاية وينبغي لكتابتها بذل جهد متعمد  إن أخذنا بنظر الاعتبار  الايقاع السريع لعالم التكنلوجيا في عصرنا  اليوم وهي وسيلة بالغة الاهمية وغير متكلفة وأنسانية  للغاية “للاتصال” بالآخرين.

بالنسبة لي،  تنبع الرغبة في إرسال رسالة خطية من الحاجة الى التدليل على مدى  قيمة  علاقتي بالاخرين.  فبمجرد تخصيصي للوقت، رغم مشاغل الحياة اليومية، للشروع بالكتابة لشخص ما مستعيضة بذلك عن كتابة بريد الكتروني بسرعة البرق بالطباعة اللمسية، يعكس قطعا مدى أهمية ذلك الشخص لدي أو مدى اهمية ما أود قوله، والذي بدوره يكون انعكاسا للتفاني والاهتمام الذي أرغب بمنحه  “للتواصل” معهم  كالكتابة الخطية لصديق انقطعت عنك أخباره  لشهور، أو لقريب  لا تراه الا خلال الاعياد والمناسبات  أو حتى لوالدتك التي قد تهاتفها على نحو يومي. ستلقي الرسالة الخطية البهجة في نفوس قرائها وسترسم البسمة على وجوههم، وستجعلهم يشعرون بالتقدير والتميز لانك خصصت لهم الوقت لكتابة رسالة وارسالها على الرغم من توفر بدائل رقمية أكثر سرعة.

أخذت بنصيحة والدتي ذات مرة حين كنت أفكر بكتابة عبارات للتعزية. كنت أحاول جاهدة التعبير عن تعاطفي نحو صديقة لي كانت أمها قد وافتها المنية  بشكل مأساوي. قالت أمي أن أفضل طريقة لكتابة عبارات ذات معنى  لا تتم بكبح  المشاعر ولا بالتفكير مطولا فيما  “ينبغي” أن يقال  ولكن بالسماح للأفكار الصادقة بالتدفق وبكلمات التعزية أن تنساب على الورق كما تشعرين بها. كن صادقا. فليس ثمة ما هو أثمن من الصدق النابع من مشاعر حقيقية التي تتولد طوعا حتى وإن لم يتوقع المتلقي سماعها لكنه سيكون ممتنا حين يقرأها بالتأكيد.  يكمن  جمال الرسالة الخطية أنها تتيح الوقت للمتلقي للتفكير بها مليا متى ما بدا ردة فعله الاولى لقرائتها سلبية أومتحفظة.  وفي نهاية المطاف سيعيد النظر في رسالتكم وسيكون ممتنا لصراحتكم وصدقكم.

أتعلم ما هو أفضل ما في كتابة الرسائل الخطية؟ هي أن المرء ليس مرغما على أرسالها. على عكس النقر بشكل لا رجعة فيه على زر الإرسال للبريد الإلكتروني  (ما لم تكن، كما اكتشفت بنفسي بعد فوات الأوان، تعرق كيف تؤجل ارسال بريدك الالكتروني بطريقة منمقة  في ملف الصادرات أو ان تعيد إستدعاء البريد الالكتروني لحظة أكتشافك لهفوة ما كلما نقرت على زر الارسال بعد فوات الأوان) أما الرسالة فيمكن أن تكتب ولا ترسل لأنها ستطوى وتختم وتوضع داخل مغلف. ويكتب العنوان على المغلف والرسالة لا تزال غير مرسلة. فهي قد لا ترسل فورا بالضرورة  أو لا ترسل مطلقا. فيمكن أن تترك جانبا  في درج حتى يحين الوقت لأرسالها أو قد لا ترسل أبدا. وهذا ما تتميز به الرسائل المكتوبة.

لا يعد المتلقي المستفيد الوحيد في كتابة الرسائل الخطية.  فقد يستفيد الكاتب هو الآخر بدرجة أكبر في بعض الاحيان.  ذلك ان الكتابة  يمكن أن تكون كرحلة استكشاف للذات . فبالتركيز على  شيء واحد كالكتابة بالحبر – يعد آلية مساعدة ذاتية  وتعد تمرين لتحليل الذات  أو حل سريع للتخلص من المخاوف العابرة أو لأعداد لائحة لمعاودة النظر اليها لاحقا. أضع قرب سريري ليلا مفكرة لتدوين مخاوفي (المتكررة) وما يقلق تفكيري  أو ما يعتصرني من افكار لا تراودني ألا ليلا. فالكتابة وسيلة تمنحنا الوقت للتمعن في التفكير وتتيح لنا ان نكون صادقين مع انفسنا. فهي ترغمك على الجلوس والانقطاع اليها بعيدا عن الوسائل الرقمية والتكنولوجية التي تحيط بنا. وتكمن  فوائد أرسال كتاباتك لمتلقي أو لجمهور على شكلين. فأنك تمنح المتلقي ذريعة للتوقف لاعداد كوب من الشاي مثلا ومن ثم معاودة أكمال قراءة ما كتبته لانك تشعرهم بأهميتهم لديك. والشعور بالاطراء الذي يعتريك لمجرد معرفتك أن  شخصا آخر يقرء كلماتك أو يبادلك المشاعر أوالمخاوف  أو الافكار أو الهواجس فهو شعور يبعث على السكينة.  بطبيعتنا كبشر، نتعاطف مع الاخرين كلما أستطعنا وبخلاف ذلك فأننا نشاركهم أحزانهم. التواصل بالرسائل المكتوبة أسهل لتبادل الافكار والمشاعر الحقيقية من تواصلنا وجها لوجه فهي أصدق من البريد الكتروني السريع، وستبعث الشعور الصادق ذاته في التواصل مع المتلقي. لأنها تتيح لنا التواصل بكلمات قد نجد صعوبة في تبادلها بالطرق الاخرى . لست بحاجة لأن تكون كاتبا بارعا أو ضليعا باللغة لكتابة رسالة رصينة ومؤثرة. ففي الواقع،  تجعل الأخطاء الإملائية  أو الكتابة اليدوية الفوضوية من رسالتك أكثر واقعية وصدقا وسيستجيب لها المتلقي ويشاركك أفكارك ويتعاطف أكثر مع ما كتبته.

بالله عليك، ألا تشعر بتلك اللهفة لحظة استلامك لرسالة بريدية والشعور الغريب الذي يجتاحك عند قراءة اسمك على المغلف مكتوبا بخط اليد؟ لقد تلقيت رسالة بريدية.  فيعتريك الفضول وتبدأ بالتمعن بالمغلف وتحاول تخمين صاحب خط اليد وتلاحظ الطابع وتاريخ أرسال الرسالة. وتبدأ بالتساؤل : هل هي دعوة؟ أم رسالة شكر؟ أم ببساطة رسالة ترحيب؟

فأذن، هلموا لكتابة رسالة لأي كان. كأن يكون لوالدتك، أو لصديقك المفضل، أو حتى لكلبك أو لشخص مجهول. أرسلها أو لا تفعل. فلا ضير في ذلك. (ولن تذهب دروس الخط التي تلقيتها في المدرسة قبل عصر النقر على لوحات المفاتيح  قد ضاعت سدى).

Leave a Reply