جِــد صوتك: كيف تترجم أفكارك التجارية الى واقع ملموس

جِــد صوتك: كيف تترجم أفكارك التجارية الى واقع ملموس

بقلم: أديسولا آتاندا

لطالما تأملت تلك اللحظة الحاسمة التي مررت بها خلال طفولتي. كانت لحظة جوهرية لاتنفك تتحدى الصورة التي أرى فيها ذاتي في عالم اليوم. ففي ظهيرة أحد الأيام في العاصمة لاغوس في موطني نيجيريا، كنت وعائلتي قد عدنا للتو من الكنيسة الى المنزل وما أن شرعنا بالجلوس حول مائدة الطعام لتناول وجبة الغداء حتى تصدرت والدتي مكان الجلوس حول المائدة وشرعت تستذكر رحلتها التي تحولت فيها من ربة منزل الى موظفة لدى أحدى الشركات المتعددة الجنسية الى جانب أدارتها لعملها التجاري الخاص. وبدأت تروي لنا قصة قراءتها لمقال صحفي كتبته ربة منزل أخرى كان قد توفي زوجها وفقدت بوفاته كافة ممتلكاتها لصالح عائلة زوجها. تمعنت أمي بنظرها الى كل واحد منا وقالت “عليكم أن تواجهوا واقعكم! ينبغي أن يكون لديكم اكثر من مصدر واحد للدخل، لا تقنعوا بأقل من ذلك! نحن نعيش في عالم صعب وعليكم توجيه قدراتكم وإمكاناتكم كي تمنحوا أنفسكم منصة للحرية لتعيشوا سعداء! ” أتذكر الصمت المطبق الذي أعقب ذلك التعبير بالالم الذي أرتسم على وجه أمي والعديد من التساؤلات التي دارت في مخيلتي منذ تلك اللحظة. ماذا يعني “مواجهة واقعي؟” وكيف يمكنني العثور على امكاناتي ومهاراتي؟ كيف يمكنني العثور على مكاني وصوتي في عالم ينعزل فيه الانسان في قوالب نمطية قائمة على أساس الدين أو الجنس أو العرق؟ كيف يمكنني تحديد فرصة عمل فريدة من نوعها مصممة خصيصا لشخصي وكيف يمكنني بلورة أفكاري إلى واقع ملموس.

 إذا كانت تراودك تساؤلات مماثلة فالغرض من هذا المقال هو تقديم بعض الخواطر حول كيفية بلورة افكارك على أرض الواقع لتصبح عملا تجاريا حقيقيا.

بالامكان العثور على الفرص التجارية بعدة طرق (1).  أولا، العثور على فرصة تجارية من خلال التجارب غير الناجحة التي تتعرض اليها وقدرتك على التخفيف منها. وبعبارة أخرى قد يسأل المرء نفسه  “كيف يمكنني أن أجعل وضعي أفضل حالاً”. ثانيا، يمكن أن تتوفر الفرصة التجارية حين تكتشف الوسائل لتحويل العاطفة أو الموهبة الى مال. وما أعنيه هنا هو النشاطات التي تشعر حيالها بالحماس الامر الذي يدفعك للحفاظ عليها وتنميتها. وأخيرا، الأفكار التجارية المتعلقة بأيجاد الحلول التكنولوجية التنافسية بهدف دفع عجلة الصناعة أو دعم لتجربة المستهلكين. لا توجد طريقة محددة للأتيان بالافكار التجارية ذلك لانها قد تتشكل من مزيج من الاختيارات الثلاثة آنفة الذكر. أما الحل فيكمن في البدء بالتفكير ومتابعة تلك الافكار لتطبيقها بشكل عملي. وكلما خطرت لك فكرة جيدة أوصي بتدوينها حالا في حاشية لكتاب أو مجلة كنت تقرأها أو في دليل الهاتف أو في البريد الإلكتروني وفي أي مكان آخر تراه مناسبا لتدوينها. لطالما كنت عرضة للمزاح من قبل أصدقائي لاقتنائي مفكرة جيب صغيرة أدون فيها الافكار التي تخطر ببالي.  وفي اللحظة التي أقرر فيها تدوين فكرة ما يدرك أصحابي حينها انني منهمكة في التفكير بإمكانات تجارية مختلفة فيتوقف المزاح.

حال انتهاءك من تدوين بعض الأفكار تبدأ الخطوة التالية وهي تحويلها إلى الواقع من خلال البحث. تحتاج إلى إجراء بحث دقيق والى ان تكون منصفا مع نفسك من خلاله: ما حجم المعلومات التي تعرفها عن منتوج معين أو عن خدمة معينة أو عن نشاط صناعي أو عن العملاء والمنافسين؟ ستتشكل الثغرات خلال بحثك على الارجح لذا عليك أن تجد السبل لملئها. كما أن محاولة البحث عن المعلومات والتحقق من مدى نجاح فكرتك أو مدى أستحسانها سيشعرك بالملل والضجر وهي المرحلة الاولى لاستنزاف التفاؤل. فتساؤلات مثل كيف أبدأ وكيف لي أن اعرف فيما أذا ما كنت اقوم به صحيحا أم لا؟ وهل يستحق مني كل هذا العناء وما إلى ذلك؟ ممكن ان تعالج هذه التساؤلات باتخاذ النهج التالي: فلنفترض أنك قد وضعت بالفعل قواعد لعمل تجاري منذ ما يربو على العام وكل شيء سار على ما يرام. كما أنك تغلبت على بعض التحديات وكنت متحمسا للمشروع. عليك ان تسأل نفسك الان كيف وصلت إلى هذه المرحلة وأن تبدأ بالعمل بصورة عكسية. لإدارة عمل تجاري ما، نحن بحاجة الى تمويل من المستثمرين وهم أما (الأصدقاء أو الأسرة، أو المؤسسات المالية). وللحصول على التمويل اللازم نحتاج الى وضع خطة عمل مبنية على إجراء بحوث مكثفة. والخطوط العريضة لخطة العمل كفيلة بتأطير البحوث التي أجريتها [2]، [3]، ما سيجعل من بحثك أكثر تنظيما وكفاءة للإجابة عن كافة الاستفسارات التي تتعلق بمشروعك الاستثماري. البحث عالي الجودة ليس ضروريا فقط لإقناع المستثمرين لتمويل عملك فحسب وأنما يساعد على زيادة الثقة في نفسك وبعملك الاستثماري. حالما تضع الخطوط العريضة لعملك التجاري فمن الضروري ان تفهم الاسباب والدوافع التي جعلتك تفكر به (الاسباب) وكيف تتم ترجمة الأفكار إلى واقع تشغيلي (السبل). ان الاسباب التي دفعتك للتفكير بالعمل التجاري ستكون محور عملك وهي التي ستمنحك التفرد لتحقيق النجاح في نهاية المطاف [4]. أن الدافع الرئيسي وراء بلورة الافكار هو تحقيق مساحة كبيرة من الحرية والسيطرة قدر الامكان على حياتي بقدر ما تتيح لي معتقداتي. وقد يكون هذا الدافع هو اولادي أو زوجي أو دافع لتحقيق الذات. ومهما يكن الدافع  فعليك ان تحوله بأتجاه المنتج أو الخدمة التي تدفع العملاء الى شرائها واقتنائها وفقا للتصور الذي وضعته.

 هل سبق وفكرت في وضع اساس لمشروع ما وتساءلت عن كيفية توجيه هذا التفكير نحو بحث ينصب في مشروع  مربح؟ المفتاح هنا هو نوع المعلومات التي تحصل عليها والتي تحول دون انفاقك لمبالغ كبيرة للحصول عليها. تتكون البحوث من جزئين: جزء اساسي وجزء ثانوي [5]. يتمحور الجزء الاول حول المسائل الاساسية المحيطة بنطاق العمل التجاري الذي تحاول تأسيسه مثل: أذا تطلب العمل توفير منتوج معين أو تقديم خدمة معينة؟ من هم الزبائن او العملاء الذين يتعين علي استهدافهم؟ من هم المنافسين لي؟ وما الذي يقومون به؟ وماذا يقدمون؟ احدى فضائل القيام ببحث اساسي هو خلوه من التعقيد.  فعلى سبيل المثال، يمكن أن تقوم بإجراء مسح او استطلاع حول منتج معين (مسح تحريري أو عبر شبكة الإنترنت)، والتحدث إلى الناس وجها  لوجه، أو السماح للناس بأخذ عينات من المنتجات أو الخدمات التي تقوم باجراء المسح عليها  ليقدموا لك تعليقاتهم ومقترحاتهم عليها لاحقا  [6]. والامر الضروري هنا هو الحصول على أكبر عدد ممكن من مشاركة الناس والا يقتصر المسح على أفراد العائلة والأصدقاء. يمكنك بعد ذلك معرفة الميول أو الثغرات في هذا المسح للتخطيط لفكرة عمل وفقا للمسح على نحو افضل. أما البحث الثانوي فيشمل على تحليل المعلومات والبيانات المنشورة سابقا. حيث يمكنك تحديد الأشخاص ذوي انماط سلوكية واحدة أو الذين ينتمون إلى فئة عمرية معينة لدعم البحث الأساسي. أما مصادر البحث الثانوي فتختلف بأختلاف النشاط الصناعي واختلاف البلد ويمكن العثور على تلك المصادر في منشورات نشاط صناعي معين أو في المنشورات الخاصة بالمستهلك أو في وقائع تجارية أو في البيانات الحكومية والمؤسسات التعليمية إلخ. [7]. عليك ان تبحث باستمرار لان العالم في تغير مستمر من حولنا كما تتطور المؤسسات والانشطة الصناعية وتختلف معها الأسئلة التي ينبغي طرحها مثل:  ترى هل زبائني سعداء؟ هل ان تحليلي جيد بدرجة كافية؟ هل هناك مجال للتحسين؟ أينبغي إطلاق منتج جديد؟ أو فتح فرع آخر؟ ربما في بلدة مختلفة أو بلد آخر؟ تمحورت أحدى أفكاري التجارية حول الطعام حين قررت أن أطهو لـ 150 شخصا بنفسي. لقد كانت تجربة فريدة من نوعها ومثيرة للتحدي. وبصرف النظر عن ردود الفعل التي لا تقدر بثمن، الا أن التجربة ولدت تساؤلات قيمة. فكيف يمكنك رفع مستوى التحدي حين تنتقلين من طهو الطعام لـ 5 خمس افراد  إلى 150 شخصا؟ كيف يمكنك الحفاظ على مستوى النكهة لهذا العدد من الناس؟ وكيف يمكنني أعداد وصفات تسعد زبائني دوما؟ وللاجابة عن كل هذه التساؤلات قمت بطرحها على أصحاب المشاريع الأخرى للتعرف على تجاربهم وكيف أستطاعوا التغلب على العقبات التي أواجهها؟ منحتني  قصصهم الكثير وأدركت حينها أهمية بناء العلاقات (شبكات التواصل). ولكي تتدارك الوقت ينبغي ان تكون شبكتك الخاصة بالعلاقات العامة وتصنع مملكتك الخاصة وأيجاد الاستثمار الصحيح من خلال العلاقات الصحيحة. فمن المستحيل صنع المملكة لوحدك دون الرجوع  الى بناء وتطوير العلاقات والحفاظ عليها مع أصحاب الأعمال من ذوي الخبرة، وزملاء العمل والعملاء والموردين من أجل تحقيق النجاح. [8]

بغض النظر عن مدى امتداد عملك التجاري وسعته، فالمهم أن تأخذ بزمام المبادرة. وكي تعثر على صوتك عليك ان تفغر فِيك لتعلن عن افكارك كما كان يفعل اسلافنا.  قد يستغرق الامر الكثير من التجربة وارتكاب الكثير من الاخطاء  واجراء الكثير من التغيير والتعديل الى ما لانهاية له وهذا ما يتطلبه أدارة العمل التجاري. أنها لشجاعة حقيقة حين تقهر المجهول لتواجه واقعك بتحدياته لتولد احلامك على ارض الواقع ولتدفع بالعالم من حولك الى الأمام كلما تحدثت عن افكارك.

المصادر:

 

Leave a Reply