ومضات الأمل تتحول الى مصابيح مضيئة.. تارا جعفر تتحدث لنا عن مسيرتها الشخصية والمهنية كبريطانية من أصل عراقي

ومضات الأمل تتحول الى مصابيح مضيئة

ترجمة: نادية فيض

تارة جعفر

تارة جعفر

تارا جعفر تتحدث لنا عن مسيرتها الشخصية والمهنية كبريطانية من أصل عراقي وكمعالجة نفسية وأختصاصية مبدعة

عندما يحاول أهلي تحديد ما هي مهنتي فاحدهم يقول “هي فنانة” و الاخر يرد “اعتقد هي باحثة نفسية” ومن ثم يستسلمان بعبارة “والله، علمي علمك”. طبعا لسوء حظ عائلتي، لم تختر ابنتهم عملا واضح المعالم كطبيبة او محامية او مهندسة، و لا حتى كانت لي وظيفة في العالم المؤسساتي. مسيرتي المهنية ما كانت لتتخذ طريقا اكثر تعرجا مما هي عليه الان

لم تكن لدي خارطة مسبقة ترسم لي طريقا محددا امضي فيه قدما، لذلك كلما كان علي التحدث عن عملي اجدني الجأ الى سرد بعض التفاصيل الشخصية. و صلت مع عائلتي الى بريطانيا عندما كنت بسن الحادية عشر، في البداية كان الامر لقضاء العطلة الصيفية، لكن العطلة امتدت لتصبح اقامه غير مخطط لها في البقاء بعد ان اصبحنا نبحث عن ملجأ من الحرب الحاصلة و العقوبات ضد بلادي. في ذلك الوقت، كنت ببساطة عراقية. كنت اكرر ما تقوله امي: نحن هنا لبعض الوقت فقط حتى تستقر الامور في بلدنا. لكن بمرور الوقت، ما كان يغمره الغموض تمخض عن اعصار عصف بالبلاد و شيئا فشيئا فقدت اتصالي بالأصدقاء في بغداد. و اصبح العراق ماض مؤلم و ليس له مكان في المستقبل، عندها بدأت اتقبل فكرة ان لندن هي “وطني” بالرغم من ان إنكليزيتي لم تكن جيدة ولم يكن هناك امل في الحصول على الجنسية البريطانية في اي وقت قريب. ومع ذلك، بعمر ستة عشر عام، بصمت و بدون ادراك ذلك، تغير  احساسي بالانتماء. و بعمر الواحد و العشرين استلمت جوازا بريطانيا و بدأت اقول انا “بريطانية من اصل عراقي” و هي الهوية التي وجدت نفسي ادافع عنها امام والدي الذي شكك بمصداقية الصفة البريطانية في هذه الهوية. لا اذكر اني جعلت منه نقاشا دراميا (هذه المرة على الاقل) بل كل ما فعلته هو اظهار دليل وضعي القانوني في البلاد. تلك الوثيقة الحمراء الصغيرة ثبتت الارض المهتزة من تحتي.

في الجانب الوظيفي، ابتدأت بدراسة علم الاثار. عندما اردت ان ادرس الفنون الجميلة، قابلني الاعتراض “بس شنو راح تسوين بهاي الشهادة يا ماما؟”—و بعدها بدأت دراسة الماجستير في دراسات الشرق الاوسط وفي الوقت نفسه كنت اعمل على مجموعة من العملات المعدنية الاسلامية في احد المتاحف. كوني غير مقتنعة بفكرة ان وجودي هنا لدراسة العملات المعدنية و الوثائق، انتقلت  الى دراسة المسرح الكلاسيكي الاوربي وهو كورس يستند على الاداء جاء كاستراحة بعيدا عن العوالم  الفكرية التي عشت فيها لفترة. اكتشفت انه  هناك مشاريع مختلفة تتضمن التمثيل و المسرح والتي يمكن تحقيقها مع المجتمعات المحلية. مثلا، العمل على مشروع مسرحي مع فنانين غير محترفين من مختلف الخلفيات الاجتماعية و الدينية ومساعدتهم على التحدث عن امور عادة ما يكون من الصعب الكلام عنها. هذا ما وجدته مثيرا و جديدا في الوقت نفسه. لم اكن اعرف بوجود مثل هذه المبادرات و لا حتى كنت اعرف ما اسم هذا النوع من المسارح (لاحقا عرفت انه يدعى بالمسرح التطبيقي). في بعض الاحيان، زملائي يكونون معالجين نفسيين و ليسوا فنانين او مسرحيين و لاحظت ان منهجهم كان اكثر ثباتا و يركز على الحوار و الشفاء وليس تقديم العرض او استعراض القدرات الفنية. اخذني هذا العمل الى التدريب في العلاج النفسي و من ثم التعامل بمسؤولية اكثر مع الاطفال و البالغين. و بعدها قمت بتطبيق بعض من هذه المناهج مع اللاجئين و طالبي اللجوء و مختلف المهاجرين من الشرق الاوسط في بريطانيا و العراق و لبنان.

ورشة عمل قصص روتها لي أمي: استكشاف الهوية العراقية والانتماء – المركز الثقافي العراقي في لندن

ما اقوم به اليوم هو نتاج لكل هذه المؤثرات:

تطبيق منهجا ابداعيا-علاجيا للعمل مع المجتمعات المحلية من الشرق الاوسط.

اعتقد هذا يوضح عملي نوعا ما؟!

لكن زوجي قال لي البارحة “انت تعقدين الامور، لا يريد الناس معرفة كل هذه الامور. فقط قولي: العلاج النفسي باستخدام الفنون المسرحية!”

مع هذا انا لست بمعالجة نفسية، فعملي لا يعالج الناس الذين لديهم مرض عقلي، لكني استخدم منهجية العلاج النفسي من اجل انشاء مجموعات نقاش و اكتشاف للذات. في النهاية، عملي هو تقديم الدعم المعنوي للناس لتقوية المجتمعات المحلية . عملي متعدد المناهج حيث يجمع العلاج النفسي و العمل الابداعي مع العمل الاجتماعي. هو عمل يتضمن العلاج النفسي لكنه ليس علاجا نفسيا محترفا. طبعا لست من اختلق هذه المنهجية بل انه عمل موجود في معظم الدول الا ان الشعوب الشرق اوسطية ليس لها تمثيل قوي في مثل هذا المجالات ومن المحزن انه هناك حاجة كبيرة في مجتمعاتنا لمثل هذا العمل! فنحن نختار الاسلوب الاكاديمي و الطبي التقليديان، مثل علم النفس السريري و الطب النفسي. لدنيا فنانين ينتجون في بعض الاحيان اعمالا مسيسة بالرغم من انهم من النادر ان يستطيعوا جذب الجمهور للمساعدة في التحدث عن الامور التي يخاطبونها في فنهم. وهذا ما يدعى بالعمل الخيري و نحن لدينا حصة كبيرة من العاملين في الجمعيات الخيرية و المنظمات اللاحكومية. الكثير من اصحاب العمل الخيري يقدمون عملا قيما هنا، بالرغم من انه يحصل بمنهج قديم و تقليدي يبدو لي كأنما هو عمل من قبل متصدقين و محسنين الى من هم اقل شأنا . في الحقيقة العمل المجتمعي الذي اشتركت به يتقبل العمل مع الاخرين و يسوده روح الفريق؛ فانا نفسي اتعلم و اطور ذاتي من خلال مساهمتي في تطوير الاخرين. هي عملية من اتجاهين.

ولأكون اكثر وضوحا ، محور اهتمامي هو كيف ان الهجرة و الاندماج المجتمعي يؤثر على احساسنا بالهوية و الانتماء: من نحن و اين نشعر بالانتماء. انا اهتم خصوصا بالاندماج الشخصي و ليس الاندماج المجتمعي مع المجموع. كيف يمكن للشخص الذي لديه عدة هويات يمكن له ان يجد التوازن للشعور بعدم التمزق؟ ما الذي يمكن ان يساعد او يعيق هذه العملية؟ ما الذي يمكن له ان يساعد في دعم مجتمع المهاجرين، خاصة ان الجيل الثاني من البريطانيين-العراقيين من المحتمل ان يكون لهم خبرات حياتية مختلفة عن ابائهم الذين عاشوا في العراق؛ فكيف لهؤلاء ان يفهموا و يتواصلوا مع بعضهم؟

معامل الخطر هنا يكمن في التطرف. فأما استنكر لجذوري الثقافية في محاولة مني للاندماج اجتماعيا مع المجتمع المضيف، فأتخلى عن لغتي و انسى ابناء بلدي و غالبا ما يرافق هذا احساسا بالاضطراب  و العزلة عن شبكة الدعم النفسي الضرورية. او اني اتمسك دينيا بقيم مجتمعي و اعزل نفسي عن المحيط الجديد و اعيش منعزلا في فقاعة مهاجرة دون ان يكون هناك ما يربطني بالمجتمع من حولي. الفكرة هنا ليس ما هو الاسلوب الصحيح او الخطأ لكن كلا المنهجين  ممكن ان يتركا الافراد او المجموعات  ضعيفة امام الضغوط الخارجية. لكن في الوقت نفسه، بين هذين الطرفين المتناقضين، هناك الكثير من الاحتمالات الاخرى و التي يمكن توحيدها عند استكشافها سوية بدلا من اسكاتها او تجاهلها.

مر علي وقت طويل كنت اشعر فيه بأني وحيدة في صراعاتي الانتمائية، لكن بعد ان قابلت و عملت مع الكثير من الذين عاشوا نفس الخبرات الحياتية، ارى اني ما عانيته كان طبيعيا. بدلا من ان اركز على التأثير السلبي للهجرة و التي عادة ما يركز عليها من يعمل في مجال الصحة العقلية، اصبح لدي الفرصة ان اعايش تطور المرونة كمنهج للمقاومة عند من عانى من الصدمة. بالرغم من ان هناك خبرات مؤلمة يجب معايشتها خاصة عندما يتم ترك المنازل و الوطن بسبب الحرب و العنف. غالبا ما يفاجئني كيف ان الانسان، ذلك الكائن الحي، قادر على التكيف و النمو في استيعاب و اندماج الخبرات الحياتية، و غالبا ما ينتج عنه رؤية جديدة عن الحياة.

وهذا بالتحديد ما اقوم به الان من خلال عملي مع المجتمعات المحلية. طبعا هو ليس بالعمل الجديد (وليس بالعمل المربح ماديا) لكنه مربح معنويا. فأنا اؤمن بخلق ومضات الامل ليأخذها الاخرين ويحولونها الى مصابيح مضيئة.

Leave a Reply