ذكرى رحيل الشاعرة والناقدة الأدبية وداعية المساواة بين الجنسين نازك الملائكة (1923 -2007)

نازك الملائكة

نازك الملائكة

ذكرى رحيل الشاعرة والناقدة الأدبية وداعية المساواة بين الجنسين نازك الملائكة (1923 -2007)

أغاني عشتار، ديوان شعر عراقي معاصر يتضمن بعض الصور لقراءة شعرية عقدت في عام 2011 في رحاب كنيسة  تقع على ضفاف نهر دجلة حيث كانت قد تعرضت قبل اسبوع من انعقاد القراءة الى هجوم ارهابي عنيف. انعقدت الامسية الشعرية كنوع من التحدي وكرسالة مفادها ان العنف لن يستطيع التغلب على الفن بجميع أشكاله. أصبح الفن، بجميع أشكاله ومن ضمنها الشعر، أحد ضحايا أنعدام الاستقرار وتفشي العنف في العراق.  ورغم  حالة العنف هذه لا يزال الشعراء والفنانون العراقيون يواصلون العمل. ونحن في مجلة نينا العراق ندرك أهمية دعم الفنانين العراقيين، والاحتفاء بالتراث الفني الغني للعراق والذي لعبت فيه المرأة دورا لا يستهان به.

اليوم وبعد مرور تسع سنوات على رحيلها، تتذكر نينا نازك الملائكة. الشاعرة والناقدة الأدبية العراقية والداعية للمساواة بين الجنسين. ففي خضم الاحداث المضطربة اليوم،  تبرز نازك الملائكة كرمز للحداثة الشعرية لتشكل مساره ليس في الشعر العراقي وحسب،  وأنما  في الشعر العربي عموما ولتسلط نازك الضوء على الدور الرئيسي الذي تلعبه المرأة في إغناء التراث الأدبي للعراق، وما تشكله من مصدرللالهام لكافة الشعراء والكتاب وللمرأة العراقية بشكل عام.

ولدت نازك االملائكة في بغداد لعائلة أدبية مثقفة وكتبت أول قصيدة لها في سن مبكرة. وكشفت لها مسيرتها الأكاديمية التي أمتدت بداية من العراق عبر الولايات المتحدة منتهية في القاهرة بالاضافة الى حياتها العائلية في بغداد، عن العديد من الأفكار والأساليب الشعرية التي صاغت لها نتاجها الأدبي ونظرتها للعالم من حولها على وجه العموم. كتبت نازك أكثر اعمالها شهرة بين عامي 1947 و 1970، وهي الفترة الزمنية التي شهدت أضطرابات سياسية شديدة في العراق والشرق الأوسط. توجت تلك الازمنة بحركات استقلال جماعية وسيادة حالة التشاؤم التي أعقبت الهزيمة الكبرى وما أكتنفها من تناقضات ما أثر وبدى واضحا في شعر نازك. تجلى شعرها عن تركيبة نفسية بالغة في الدقة وكأنه مرآه لذات الشاعرة تحاول التأقلم والتفاهم مع  مجتمع غير ذا معايير ولكن، وبغض النظر عن دلالاته الاجتماعية والسياسية، فقد أشتهر شعرها بألوان جمال اللغة وصدق المشاعر. وتميزت صورها الشعرية، رغم شموليتها، بأصالتها العراقية. في قصيدتها “النهر العاشق” التي كتبتها بعد فيضان دجلة في عام 1954، تصف نازك الملائكة النهر كمصدر للحياة وكحال شعرها، يغذي “المراعي الحزينة” في العراق بـ “قبلات من طين.”

نشرت نازك مجموعتها الشعرية الاولى بأسم (عاشقة الليل) عام 1947 لكن مجموعتها الثانية التي نشرتها عام 1949 بأسم (شظايا ورماد)، هي التي وطدت مكانة نازك الملائكة كرائدة من رواد “الشعر الحر”. وشملت المجموعة الشعرية هذه للقصيدة الرائدة “الكوليرا” التي أنشقت عن النمط الشعري العربي الكلاسيكي القديم الذي ظل سائدا دون منازع ولعدة قرون. تصدت قصيدة “الكوليرا” لوباء الكوليرا الذي أنتشر في العراق من مصر آنذاك (ونشهد الصلة ذاتها اليوم حيث تم الابلاغ عن حالات الكوليرا في العراق في العام الماضي)، بعرضها للنظم الشعرية والعروض التي اصبحت السمة المميزة لاسلوب حركة الشعر الحر الحديثة. فالاسترسال بالمعنى دون توقف والتجاوز الى ما وراء نهاية الشطر،والتداخل بين العديد من القوافي والصور الشعرية الحديثة  ناهيك عن الاسلوب، شكلت جميعها الابعاد الرائدة التي تميز بها شعر نازك الملائكة وإن كان ذلك تتويجا لسنوات من الإنتاج الأدبي الجماعي لمعاصريها.

لم تقتصر النظرة التقدمية لنازك الملائكة على فنها. ففي خمسينيات القرن المنصرم، ألقت نازك محاضرتين عبرت فيهما عن أستيائها الشديد من التقاليد المفروضة عليها كامرأة في مجتمع أبوي. تحسرت في محاضراتها على حالة المجتمع الذي لا يحكم على حق المرأة من خلال شخصيتها وسلوكها وثقافتها وبدلا من ذلك يقيم المرأة حسب حالتها الاجتماعية فيما أذا كانت متزوجة أم غير متزوجة. وانتقدت بشدة الأدوار النمطية للجنسين والتي تحتم على المرأة أن تعيش حياتها في “الكنس والطبخ”. قد يبدو الامر مثيرا للسخرية  أن تعبر نازك الملائكة عن مثل هذه الأفكار التي لا تزال مثيرة للجدل في العراق اليوم ومنذ أكثر من 50 عاما، أم تراه مؤشر الى ما آل اليه حال المجتمع من تراجع.

على الرغم من أنها تعدت المعايير المتعارف عليها في الفن والسلوك الاجتماعي ألا ان نازك  الملائكة لم تنشق بصورة كاملة عن التقاليد الشعرية. ففي مجموعة من المقالات النقدية المنشورة لها في عام 1962 (والتي عدت أحد أهم الأعمال النقدية للشعر العربي الحديث في ذلك الوقت) حذرت نازك الملائكة من إلاهمال لدى العديد من الشعراء الذين استغلوا الاساليب الجديدة للشعر كوسيلة لإخفاء عجزهم الفني كشعراء. فعلى الرغم من أن الشعر الحريعد أقل جمودا واكثر انسيابية  في شكله الرئيسي،  ألا أن نازك الملائكة كانت تميل الى ان يبقى على درجة من التماسك والتقليدية. في حين ذهب بعض من معاصريها بتجربة بحور مختلفة في القصيدة الواحدة، الامر الذي اختلفت فيه  شاعرتنا معهم وأصرت على ان يلتزم الشعراء بذات البحر خلال القصيدة الواحدة ، ما يدل على وجود تردد من جانبها  في الانشقاق كليا عن اسلوب الماضي. كانت نازك تدرك تماما ان التغيير ينبغي ان يأتي بالتدريج وهذا ما نلمسه في شعرها. فكلما تقدم شعرها، تعود بنا نازك الى تجربة شطري القصيدة الأحادية القافية، وهو الشكل الذي نالت بسببه قدرا كبيرا من الانتقادات.

على الرغم من الانتقادات تبقى نازك الملائكة رمزا عراقيا ترك أثرا لا يمحى في تاريخ الشعر العربي الحديث كشاعرة وناقدة وامرأة يشار اليها بالبنان. تعارض أسلوبها في بعض الأحيان ما عكس شخصيتها المتباينة، لكن هذا هو الجانب الذي انبثق من خلاله إنسانيتها. انها بمثابة مصدر للالهام ليس في أعمالها الأدبية الرائدة وحسب، ولكن كامرأة تعيش صراعا حقيقيا بين عالمين من التقليد والحداثة. أجبرتها الأحداث على مغادرة العراق، لكنها ستظل من خلال شعرها وكتاباتها مثالا حيا للشاعر العراقي الذي عاش الفن والحياة، على حد تعبير شاعر وزميل معاصر آخر وهو الشاعر تي أس أليوت حين قال: ” تكسر الاشكال ليعاد صياغتها مجددا”.

هل انت شاعر أم كاتب أم فنان؟ نرغب بالاستماع الى قصصكم وتجاربكم أن كنت ترغبون بنشرها على شبكة الانترنت. يرجى مراسلتنا على البريد الإلكتروني وسنتواصل وأياكم.

[email protected]

Leave a Reply