وقفة للتأمل ..لنودع المعمارية العراقية زها حديد

A Moment in Time HeaderZaha-Hadid-by-Brigitte-Lacombe

نينا تعيد نشر المقابلة الحصرية مع الراحلة زها حديد التي أجريت عام 2014  تكريما لذكراها

بقلم مادلين وايت

زها حديد مواطنة عالمية ،حسب ما تصف نفسها، تعلمت فن بناء الأمة في العراق، البلد الذي يحدد ماضيها وربما سوف تعود الى نقطة البداية من حيث إعادة بناء أمة بمبانيها كرموز مادية للأمل، حديد التي دخلت العقد السادس من عمرها، تتشرف مدن كثيرة باعمالها ابتداءا من قوانغتشو، الصين، الى غلاسكو، بضمنها مركز الألعاب المائية الشهير في لندن 2012.

نشأت زها في العراق قبل أن تغادره وهي في سن السابعة عشر من عمرها للدراسة في الخارج. ومع ذلك، على الرغم من عدم عودتها اليه مرة أخرى منذ أكثر من 30 عاما، تصف عراق ايام صباها بأنه قد منحها ايمانا راسخا في احراز التقدم مع شعور كبير من التفاؤل، داخل عالم لم يعد يعرف الا من خلال الحدود المادية، واظبت زها على استخدام فنها لتعكس الرمال المتحركة لهويتها ولتجمع بين المفاهيم المتشابكه والمتمازجه لوطن رقمي مع وجود مادي. هذا المنظور لم يكن جليا أكثر مما كان عندما قمت بزيارة مبنى مكتبها.

تشغل هذه البناية التي يرجع تاريخها الى عام 1870 مدرسة سابقة في كليركينويل، وهي احدى مناطق لندن، وهي المنزل المهني لسيدة الهندسة المعمارية الأولى، لمسة المبنى صناعية، لكن على الرغم من هويتة المادية القوية، يبدو أنه يمد قدما واحدة في العالم الملموس، وآخرى في العالم الرقمي. تجد حركة نشيطة هادئة لأكثر من 200 شخص يعملون بشكل تعاوني – جسديا ولكن أساسا في الفضاء السيبراني العالمي، وهو نوع جديد من المجتمع، ويعكس هذا أسلوب زها في القيادة مع فريقها متعدد الجنسيات الذي يصب جهوده على ترجمة رؤية تعكس العولمة لكنها تضمن الهوية الحقيقية و يظل تأثير المجتمع المحلي في صميم عملها. زها حديد فازت بالعديد من الجوائز العالمية كسيدة أعمال دولية بسبب تصماميمها الهندسية المعمارية، ومن خلال محور الصناعة هذا تجمع زها ما بين هذين الجانبين، وتتشارك مع (نينا) فكرة “لماذا يمكن لقلب امرأة أن يخلق بصمة عالمية، في هذا، العدد الافتتاحي لدينا.

 

كمصدر إلهام للمرأة العراقية، ما هي الرسالة التي تريدين نقلها ؟

أولا، أعتقد ان التعليم مهم جدا، إذ انه يسمح لجميع الشباب باستكشاف افاقهم المستقبلية واستقاء الدروس من التاريخ، خاصة الآن، حيث أننا نقف على عتبة مرحلة عالمية، أرى النساء في جميع أنحاء العالم وهن على جانب من الذكاء، والموهبة والصلابة، لكن يمكن أن يفتح التعليم الجيد الأفكار والفرص. على سبيل المثال المدرسة التي التحقت بها في بغداد قد استعانت بجميع المعلمين من الجامعة. مستويات الدورات العلمية، كمثال آخر، كانت لا تصدق حقا، هذه المعايير الراقية، المرتبطة بحقيقة أن مديرة المدرسة جعلت تعليم النساء أولوية ، كان لها تأثير علي.

ثانيا، لا تستسلم، أنا ممتنة للغاية لنجاحي، ولكن العمارة هي مهنة صعبة، لذلك فقد كانت ضربا من ضروب النضال، وأعتقد أنه من المهم جدا أن يكون لديك الالتزام بالمثابرة، وأن يكون لديهم ايمان قوي في نفسك، كامرأة، تحتاجين إلى الثقة بانك يجب ان تستمرين وتتخذين خطوات جديدة في كل مرة، ولا يمكن ان يكون كل شيء على ما يرام في كل مرة – ولكن عليك أن تستمري في المحاولة.

ثالثا، اؤمن في العمل الشاق، ولكن أيضا هناك حاجة إلى توازن. هذا امر مهم وخاصة للنساء. النساء في جميع أنحاء العالم أصبحن أكثر استقلالية وهناك حاله جديدة من الثقة، لأنهن يحققن شيئا ما، ومع ذلك، فإننا لا نزال نشعر وكانه يتوجب علينا أن نفعل كل شيء – العمل وإدارة المنزل ورعاية الأطفال، لذلك هناك الكثير للقيام به، ومن المهم أن نتعلم كيف نثق بالآخرين، والتعلم في وقت مبكر أن لم يكن بمقدورك فعل كل شيء بنفسك، فيمكنك القيام بجزء بسيط من ذلك بنفسك، ويمكنك ايضا أن تطلبي من الناس القيام بأشياء بالطريقة التي تريدينها، لكن ينبغي عليك في جانب آخر الاعتماد على نقاط قوتهم وقدراتهم، فالعمل الجماعي مهم جدا بالنسبة لي ولطالما كنت اؤمن به على الدوام، وهذا هو سبب القدرة على التحكم بالامور، والطريقة التي اصل فيها الى توازني الشخصي.

أخيرا، من المهم عدم إهمال أصدقائك وعائلتك، فالوقت لا يتوقف عندما تحاولي انجاز الاشياء قبل الموعد المحدد و مواكبة زخم العمل تحت مثل هذا الضغط يمكن أن تخلق أشياء عظيمة. ومع ذلك، لا بد من العمل بشكل متساو لضمان عدم اهمال الأصدقاء والعائلة لأنهم دائما يظلون الداعم الأكبر لك.

 

أصولك وجنسك – هل يمكن ان توضحي كيف انها أثرت في عملك؟

أنا عربية وامرأة، وهاتات الصفتان كانتا وراء نكسات في حياتي، وهذا بحد ذاته سلاح ذو الحدين. تجتهد للتغلب على احدى هاتين الصفتين – تظهر لك الصفة الاخرى كمشكلة، في لحظة قبول “كوني إمراة’، تصبح “عروبتي” مشكلة، ولكن هذا يرجع بنا إلى النقطة التي اثرتها في الأسئلة السابقة، (الثقة، والصلابة)، والحاجة إلى الوقوف من اجل رؤيتك هو ما يمكن ان يترجم إلى نجاح فعلي يمكن أن يؤثر في الأمم.

من حيث جذوري الثقافية ، على الرغم من عدم وجود مراجع شكلية محددة، فإن رياضيات العالم العربي، ومزيج من المنطق والتجريد (تجريد الخط العربي)، كان لها تأثير كبير على طريقتي في التصميم.

           

صممت البناية الجديدة للبنك المركزي العراقي ، هل هي بداية لنوع جديد من العلاقة؟

أنا مطمئنة بعمق وسعيدة جدا أن اساهم في اعادة اعمار العراق، على الرغم من أنه لم يعد لدي عائلة هناك، فاني غالبا ما افكر بالعودة، وأنا أعلم أنه عندما أعود، سوف اشعر بالتاثر الى حد كبير لان كل من اتذكرهم من أيامي التي قضيتها في العراق لم يعد يعيش هناك.

أنا لا أتطلع إلى هذه اللحظة على الرغم من ذلك، لأننا نعمل على بعض المشاريع المثيرة للغاية وأعتقد أن إعادة بناء العراق يتطلب أكثر من المباني الفردية، فالعراق بحاجة الى بنية تحتية رئيسية وكذلك الى تخطيط حضري مدروس جدا بوجود مؤسسات عامة ووحدات سكنية ومستشفيات ومدارس.

فقط كمثال على التخطيط المترابط، أكاديمية إيفلين غريس في بريكستون هو مشروع أفتخر به جدا، هذه المدرسة اصبحت مصدر الهام لتلاميذها البالغ عددهم 1200 تلميذ كي يحققوا أحلامهم وان تصبح المدرسة جزءا من التقدم في لندن، وفي كل ظهيرة ومساء تستخدم المدرسة من قبل المجتمع بأكمله كمركز للجميع.

هل تعتقدين أن الهندسة المعمارية والمساحات الحية يمكن أن تغير الطريقة التي نتفاعل بها- على سبيل المثال هل يمكن أن يكون لعملك له أثر على المرأة والثقافة؟

ينبغي أن يعكس المكان الذي نعيش ونعمل فيه المرونة اللازمة لتحقيق النجاح في ثقافتنا الحديثة، لذلك أعتقد من الناحية المثالية انه ينبغي لنا أن نتعلم لضبط تفكيرنا بين الفينة والاخرى لكي يتناسب واللحظة التي نعيشها، وانا حاولت القيام بذلك في عملي، على سبيل المثال، يمكن أن يكون من الصعب على النساء ان يكن محترفات، وذلك لأنه لا يزال هناك بعض نساء العالم لا يستطعن الحصول على الاحتراف.

في حالتي، من أجل دخول هذا الفضاء الجديد كنت بحاجة إلى أن اكون جزءا من عملية خلق حوار جديد، ومن أجل القيام بذلك كنت بحاجة للتفكير وفعل الأشياء بطريقة مختلفة، وهذا ما قمت بتحويله الى واقع بكل جدارة، فالحاجة إلى تحديد مجالات جديدة من أجل العمل فيها جعلني أكثر صرامة وأكثر دقة، وربما ينعكس هذا في تصاميمي المعمارية.

شيء واحد مؤكد، هو ان التغيير يمكن أن يحدث، حيث تراه الآن مهندسات معماريات مرموقات في كل وقت، ففي السنوات الــ15 الماضية كان هناك تغييراً هائلاً ينظر إليه الآن على أنه من الطبيعي انخراط المرأة في هذه المهنة.

هلا اعطيتني مثالا عن عصر انتهى بصياغة طاقة جديدة أو طريقة جديدة في التفكير؟

جئت الى انكلترا وكان اول مكان ذهبت اليه هو مدرسة داخلية في الستينات ثم عدت لدراسة الهندسة المعمارية في عام 1972، وفي الوقت الذي وصلت الى هناك، كانت لندن كئيبة وقاتمة جدا إذ كانت هناك إضرابات في كل مكان وأسبوع العمل كان لمدة 3 أيام فقط، حيث كانت الكهرباء متوفرة لبضع ساعات كل يوم. لكن، ليس لدينا مانفعله، دفعت هذه الظروف الناس جميعا للقيام بمناقشات ومناظرات، وهذا ما جعل لندن اكثر تحررا، ومكانا رائعا للدراسة والقيام بالتجارب.

تقدم المدينة الكثير من فرص التعليم والبحث والاختراع وان اردت أي شيء فانه يمكنك الحصول على شخص ما لتقديم النصح بشأنه، وفي سنوات تنمية مسيرتي، كان هذا الامر حرجا، اذ كان الشخص المبدع هو بيتر رايس. وكان من اوائل ذلك الجيل؛ يطابق الهندسة الابداعية مع الأفكار المفاهيم جديدة لم تطرق من قبل.

ومن الذين تاثرت بهم الى حد كبير ايضا هو المرحوم ألفين بويارسكي، الذي كان يعتقد أن العالم أصبح أكثر عالمية الى حد كبير، لذلك كان من المهم لبناء مدرسة دولية حقيقية، جسد ألفين هذا النهج العالمي في مكان دراستي، مدرسة رابطة العمارة في لندن.

لذلك فان العولمة والمناظرات والمناقشات والابتكار والتجريب- هي كلها مخطط عظيم لبناء الأمة على ما أعتقد.

nina_print_eng_080414-36

هل تعتقدين أن التكنولوجيا الحديثة تغير الفضاءات التي نعيش ونعمل فيها (نينا)، (كمجتمع على الانترنت هي مثال على ذلك) وهل تعتقدين ان فضاء الإنترنت ينعكس في أنواع جديدة من الهندسة المعمارية؟

المجتمع المعاصر لا يقف ساكنا – ويجب ان تتطور المباني بأنماط جديدة من الحياة لتلبية احتياجات مستخدميها، على سبيل المثال، الروح النشيطة للتعاون في جميع أنحاء العالم هي الشيء الذي يجب أن ينعكس، فنحن نعيش في ثقافة بحثية عالمية جماعية حقا، حيث تغذي العديد من المساهمات والابتكارات من مختلف أنحاء العالم بعضها البعض وتسمح لنا جميعا بأن نزدهر، هذا النوع الجديد من التفاعل، وكذلك مستوى أكبر من التعقيد الاجتماعي، ينبغي أن ينعكس في الهندسة المعمارية للقرن الحادي والعشرين الذي يعالج إجراءات العمل والحياة المعقدة الحالية.

الهندسة المعمارية هي وسيلة يمكن ان تعالج بعض القضايا الهامة جدا اليوم والتي تلبي احتياجات المجتمع، ولكن أيضا تعطي إحساسا بالتفاؤل وايمانا بالمستقبل. على الرغم من ان مجلة (نينا)، هي نوع مختلف من الهياكل التي اعتدت على بنائها، فانها تبدو بالتأكيد كما لو ان طموحاتنا لجعل الناس يشعرون بالغبطة في فضاء يسكنون فيه هي متشابهة!

Leave a Reply

Translate »