تمكين المرأة اقتصاديا عن طريق برامج التمويل الأصغر: بنغلاديش نموذجاً

تمكين المرأة اقتصاديا عن طريق برامج التمويل الأصغر: بنغلاديش نموذجاً

بقلم: ناشيتا ساروار

الكاتبة: ناشيتا ساروار

الكاتبة: ناشيتا ساروار

 

خلال السنوات الماضية، أدخلت المنظمات الحكومية وغير الحكومية في العديد من البلدان ذات الدخل المنخفض برامج القروض التي تهدف إلى الحد والتخفيف من الفقر. وتستهدف العديد من تلك البرامج في البلدان النامية النساء على وجه الخصوص. من الحقائق المثبتة احصائيا هي أن النساء هن الاكثر عرضة للضغوط المصاحبة للحصول على قروض لغرض الدخول في مشاريع تجارية، وان أمكانية وصولهن الى سوق العمل بالأجرة محدودة، وحصتهن من المشاركة في السلطة وأتخاذ القرارات الأسرية غير عادلة.

يعد بنك “غرامين” في بنغلاديش أفضل مثال معروف على مستوى العالم في مجال توفير برامج القروض الصغيرة للفقراء، وتكون النساء ما يزيد عن نسبة 90٪ من عملائه. ولنموذج غرامين العديد من المقلدين في جميع أنحاء العالم، وشملت برامج القروض على حصة كبيرة من أصحاب القروض الصغيرة في كل من الهند والفليبين وأمريكا اللاتينية وشرق أفريقيا، وأماكن أخرى في العالم. لقد اثرت القروض الصغيرة ابشكل كبير وايجابي على كثير من النساء في بنغلاديش، وبالامكان ان يكون لها ذات القدر من التأثير في مساعدة السكان من الإناث في العراق للسير على نفس الخطى.

يتضمن نموذج التمويل الاصغر المطبق في بنغلاديش على مبالغ صغيرة من المال تمنح للنساء لتسدد بدفعات معينة وعلى فترات زمنية محددة وفقاٌ لنظام سُلَف جماعية، وأجتماعات أسبوعية، وتدريبات أساسية على التمويل الاصغر، ونظام أجباري للادخار الجماعي، ومجموعة من 16 تعهدا أجتماعيا يتم استذكاره بشكل جماعي كل اسبوع بطريقة منظمة شبه عسكرية. لقد عمدت مؤسسات القروض الصغيرة في بنغلاديش وعلى مر السنين على إعادة تصميم النماذج الخاصة بهم من أجل تحقيق رؤية موسعة. وفي عام 2002، انبثقت نقطة تحول كبيرة بإنشاء بنك غرامين الثاني. في بنغلاديش، وأتبعت معظم مؤسسات التمويل الاصغر خطى بنك غرامين خلال العقود المنصرمة وجربت منهجيات إقراض جديدة، ومنتجات وخدمات جديدة لدعم برامجها. وفي كثير من الاحيان أصبح بمقدور المقترضين اليوم تحديد مدة القروض التي يحتاجون إليها، وباتت القروض متاحة كذلك للشركات الصغيرة (وتصل قيمها إلى حوالي 15,000 خمسة عشر الف دولار). وفي الوقت نفسه، وضعت العديد من مؤسسات التمويل الاصغر برامج قروض لدعم الفئات “الأشد فقرا” وما هذه البرامج إلا عبارة عن نسخ من النموذج الأصلي. أما التغيير الاكبر في برامج التمويل الاصغر فكان التخفيف من العبء الذي غالبا ما يعانيه المقترضون من المؤسسات الرسمية. لقد تعلم مانحو القروض السبل الأكثر مرونة في إدارة المخاطر بدلا من التمسك بالصيغ الثابتة التقليدية للقروض المتغيرة والادخار القسري وعدم التسامح مع القروض المتأخرة. جعلت هذه التغيرات من مشاريع التمويل الصغيرة أكثر قيمة للعملاء، سواء من حيث أفضلية المنتجات وسهولة الحصول على القروض فضلا عن برامج التدريب المتاحة للمقترضين. تم أكتساب هذه التغيرات وازدادت عبر المنافسة في حين نضج قطاع التمويل الاصغر بشكل اكبر في بنغلاديش خلال عقدين من الزمن، كما تزايد نمو برامج التمويل الأصغر بشكل ملحوظ في بنغلاديش بحوالي 23 مليون مقترض في بلد يقارب سكانه الـ 160 مليون نسمة. وتكشف هذه الارقام عن أعلى كثافة لتواجد السكان المستفيدين من القروض الصغيرة في أي بلد.

لطالما توخت مؤسسات التمويل الاصغر في بنغلاديش إحداث تغيير أكبر في حياة العملاء. ويظهر هذا الدافع جليا في مجموعة متنوعة من الوسائل المالية لدى تلك المؤسسات- كالادخار والتأمين، والقروض المتخصصة (بما في ذلك قروض الطاقة والتعليم والسكن، بالإضافة إلى الأعمال التجارية الصغيرة والقروض الممنوحة للفئات الاشد فقرا). وتجلت الفوائد إلأضافية على شكل خدمات انمائية (مثل المدارس، وخدمات التدريب، والخدمات الصحية) وغالبا من خلال شركات فرعية شقيقة، مثل “جرامين فون” وكذلك المنظمات غير الحكومية الإنمائية مثل منظمة “براك” التي تضم تحت جناحها أكثر من 5 مليون عميل من اصحاب القروض الصغيرة وتعمل في اكثر من 32000 مدرسة ابتدائية في بنغلاديش. كل هذه الحقائق ضرورية لفهم كيفية عمل التمويل الاصغر، وما هي آفاقه وتحديد مختلف الوسائل لتطبيق النموذج ذاته  في الاقتصاد العراقي.

أما الرأي الآخر الذي لا يقل أهمية وينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار عند تقييم جدوى التمويل الاصغر في العراق هو السياق الثقافي، ولحسن الحظ  يمكن أستخلاص أوجه الشبه بين المجتمعات في العراق وبنغلاديش. ففي بلد محافظ وغالبية سكانه من المسلمين مثل بنغلاديش تفرض العديد من التقاليد والقيود الأسرية على النساء وتمنعهن من مغادرة المحيط العائلي أو تحد من حركتهن خارج نطاق العائلة. وللحفاظ على سلامة المرأة غالبا ما تمنع من السفر لوحدها حتى ولو لمسافات قصيرة كالذهاب للتسوق أو البنك او الى عيادة صحية. يتميز الزواج في بنغلادش بالاقامة في مجتمع الرجل والزواج من خارج نطاق العشيرة. فعندما تتزوج المرأة، تغادر منزلها وأسرتها وقريتها لتسكن في بيت زوجها الجديد الذي يكون في كثير من الأحيان في قرية جديدة. ولا يسمح للكثير من النساء المتزوجات بزيارة ذويهن دون إذن من الزوج. وبذا لن تنشئ الزوجات علاقات وثيقة أو صداقات خارج محيط الأسرة. ونتيجة لذلك، تكون موارد حصول المرأة على المال في حالة الطوارئ محدودة جدا وحتى لو نجحت في الاقتراض من أحد أفراد العائلة أو أحد الأقارب فهي في حاجة للحصول على إذن من الاب او الأخ او الزوج  أو الابن قبل إنفاق ذلك المال. وبالتالي، قطفت بنغلاديش ثمار فوائد برامج القروض الصغيرة التي تستهدف النساء. ومن الناحية الاحصائية  يتجلى الأثر الاهم في المشاركة في برنامج القروض الصغيرة على جنس المشارك في البرنامج، فالنساء يملن الى أنفاق دخولهن على أسرهن، وتظهر خدمات الائتمان المقدمة للنساء تحسنا كبيرا في تدابير الصحة والتغذية والتعليم بين الفتيان والفتيات على حد سواء، في حين لم تحدث الخدمات الائتمانية الممنوحة للرجال نفس التأثير. تعد بنغلاديش نموذجاً يحتذى به من اجل تأسيس شبكة التمويل الاصغر في العراق.

ومن خلال التجربة في بنغلاديش يتبين أن مشاركة المرأة في برامج القروض الصغيرة يمكن أن يساعد على زيادة تمكين المرأة واستقلالها من الناحية المالية. وقد مكنت برامج الائتمان النساء من تعزيز دورهن في صنع القرار داخل الأسرة وزيادة فرص الحصول على الموارد المالية والاقتصادية، وأنشاء شبكات اجتماعية أوسع، وتحسين قدرتهن على المساومة فيما يخص قضايا الأسرة، بالاضافة الى منحنهن قدر أكبر من حرية التنقل. كما تميل القروض الصغيرة إلى زيادة التواصل بين الزوجين بشكل عام حول قضايا تنظيم الأسرة.

بالإضافة إلى تمكين المرأة اقتصادياً، فإن التطبيق الناجح لبرامج القروض الصغيرة وتشجيعها من شأنه ان يدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والتغير الثقافي الى الامام، كما يمكن أن يلعب دورا هاما في فترة ما بعد الحرب إذ يتحول العراق –على سبيل المثال- من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث متقدم. لقد دأبت منظمة الإغاثة الدولية على تقديم برامج القروض الصغيرة للعراق منذ عام 2006، حيث جرى تنمية صندوق القروض الصغيرة للمرأة الريفية بشكل متزايد. وفي يومنا هذا، حيث تقدر محفظة القروض في العراق بما يزيد عن 10 ملايين دولار، تبدو الفرصة مواتية لإطلاق الإمكانات الضخمة للتمويل الأصغر في تطوير البنى التحتية للعراق.

المراجع:

Banu, Dilruba, Fehmin Farashuddin, Altaf Hossain, and Shahnaj Akter. “Empowering Women in Rural Bangladesh: Impact of Bangladesh Rural Advancement Committee’s Impact” (n.d) pag. BRAC. Web.

Khandker, Shahidur R. 1998. Fighting Poverty with Microcredit: Experi-ence in Bangladesh. New York: Oxford University Press.

Pitt, Mark, Shahidur Khandker, O. Choudhury, and D. Millimet. 2003. “Credit Programs for the Poor and the Health Status of Children in Rural Bangladesh.” International Economic Review 44 (February): 87–118.

Rhyne, Elisabeth. 2012 Microfinance in Bangladesh: It’s Not What You Thought. The World Post

Leave a Reply