منذ متى أصبحت الاستشارات الإدارية وظيفة حقيقية؟

منذ متى أصبحت الاستشارات الإدارية وظيفة حقيقية؟

بقلم جيرجيلى لودينسكي

جيرجيلى لودينسكي: المستشار الإداري لمؤسسة أكسنتشر ومقرها العاصمة لندن، عمل في مجال الإستشارات لأكثر من 3 سنوات.

لم يسبق مطلقا مذ أكتشف علم الخيمياء القديمة أن أجتذبت مهنة ما هذا الكم  من الأفتتان والغموض في آن واحد، وفي أحيانٍ أخر الكثير من السخرية كما هو الحال مع مهنة الاستشارات الإدارية. لا يسعني في هذا المقام إلا ان أتذكر ما قاله أحد شخصيات المسلسل التلفزيوني الشهير “منزل الاكاذيب” حين سأل متهكما: “منذ متى أصبحت الاستشارات الإدارية وظيفة حقيقية؟” فإذا بالشخصية الرئيسية مارتي خان التي قام بأدائها الممثل دون تشيدل يرد عليه ردا حاسما ويقول “منذ أن أصبح العمل يدر عليك راتبا من سبعة أرقام في السنة”. على الرغم من الفهم المحدود لطبيعة العمل المنجز من الناحية العملية  في عالم الخدمات الاستشارية (أو ربما نتيجة للمبالغة المفرطة في حجم الرواتب المدفوعة!)، تظل المنافسة للدخول الى هذا العالم على أشدها.  فعلى سبيل المثال تعد مؤسسة ماكينزي، العلامة التجارية الأولى في سوق الخدمات الاستشارية، حيث وصل عدد المتقدمين للعمل فيها الى 201,000 مقابل 2,200 وظيفة متوفرة في عام 2012 في فروع المؤسسة في جميع أنحاء العالم.

لا تخشوا كثيرا فكوني مستشارا أداريا يشغل حاليا منصبا في مؤسسة أكسنتشر في لندن، وهي ثالث أكبر شركة استشارية في العالم من حيث الإيرادات وكوني شغلت مناصب عديدة أخرى في ثلاث شركات استشارية تعد من كبريات الشركات في هذه المجال،  سأبذل قصارى جهدي لجعل هذه المهنة مفهومة أكثر وسأعرض السبيل الى النجاح فيها. سيتكون هذا المقال من جزئين ليعد بمثابة مقدمة في مجال الاستشارات، وطبيعة عمل الاستشاريين، وأهمية التنوع بين الجنسين في هذه الصناعة. سأقدم مقالا لاحقا حول طرق أنجاح عملية التوظيف، وكيفية اختيار المؤسسة المناسبة لامكاناتك وعن ألانواع المختلفة من المؤسسات الاستشارية.

ماذا نعني بالاستشارات؟

تساعد الاستشارات الادارية  المؤسسات التجارية على معالجة أصعب المشاكل والتحديات التي تواجهها. ويعمل الاستشاريين بمثابة مقدمين للمشورة خارج نظاق تلك المؤسسات ومهمتهم الوقوف على الحلول للمشاكل المستعصية التي لا يراها العميل بسهولة.

وكرياضي تجديف سابق أود أن أقرب لكم معنى الاستشارات الادارية مستخدما  هنا تشبيه قارب التجديف. فحينما يجدف طاقم التجديف نحو الخلف بوجود ربان يجلس في مقدمة القارب مواجها الطاقم سيتنسى للربان رؤية المنظر أمامه كاملا والمسار الذي يتجه اليه القارب. وخلال التدريبات والسباقات أيام الجامعة كثيرا ما كان لدينا مدرب يقود دراجته الهوائية بمحاذاتنا على ضفة النهر. وبسبب بعد المسافة بيننا وبينه تتولد لديه وجهة نظر فريدة من نوعها، فالمدرب قادر على رؤية الأشياء التي لا يتسنى للربان ذو الحنكة والخبرة الطويلة رؤيتها مثل: الحركات التقنية للمجدفين، ومدى حرفية الطاقم على التجديف في أيقاع واحد كفريق واحد، ومدى سلاسة تحرك القارب وهو يشق طريقه في النهر. وكذا هو عمل المستشار الادراي الذي يكون بمقدوره الاتيان ببصيرة مبتكرة حيال مشاكل العملاء ومن الوهلة الأولى كشخص متمرس لا ينتمي الى الشركة ذاتها.

ما طبيعة العمل الذي يتم التعاقد مع الاستشاريين لأداءه؟

يعمل الاستشاريين الاداريين في كافة القطاعات التجارية والصناعية بما في ذلك الخدمات المالية وقطاع النفط والغاز، والفضاء والدفاع، وتجارة التجزئة وغيرها. يمكن للمشاكل التي تواجهها المؤسسات أن تكون ذات طابع بسيط كأن تساعد مؤسسة ما على زيادة أرباحها ، وخفض التكاليف أو قد تتعلق بأستفسارات تقنية أكثر تحديدا مثل وضع نظام تكنولوجي حديث للمعلومات داخل المؤسسة. على سبيل المثال وخلال السنوات الثلاث الماضية عملت على 7 مشاريع مختلفة أختلافا جذريا عن بعضها البعض. فقد ساعدت أدارة مصنع كبير لانتاج المشروبات لمعرفة أي من انواع المشروبات يتوجب على المصنع أنتاجها، وساعدت سلسلة محال بقالة  في ولاية كاليفورنيا في معرفة  المنتجات التي يتحتم عرضها وبيعها، وقمت مؤخرا بتقديم المشورة الى  أحد كبار البنوك في المملكة المتحدة في كيفية التعامل مع شكاوى ملايين العملاء بشكل أكثر كفاءة. لم يكن بين تلك المشاريع أي شبه في المضمون.

ما الدور الذي يلعبه تواجد التنوع بين الجنسين في مجال الاستشارات؟

تطرقت العديد من المقالات الى موضوع عدم وجود تمثيل للمرأة في مجال الاستشارات وهو القطاع الاوسع للعمل التجاري في العالم. ففي عام 2014 أشارت مجلة فورتشن 500 الى أن أكبر عدد من النساء اللواتي يحتلن منصب رئيس تنفيذي منذ أن بدأت المجلة تتحدث في طبعاتها عن “نوع جنس الرئيس” عام  1998 لم  يبلغ غير 24 رئيسا تنفيذيا أي ما يشكل 4.8٪ من المجموع فقط. وبكل أسف يعاني قطاع الاستشارات الإدارية من نقص مماثل في التنوع بين الجنسين والذي يظهر بوضوح في الدراسة التي نشرتها جوليا توغنيني التي تشغل اليوم منصب مستشار في مؤسسة كاب جيميناي. وجدت جوليا أن نسبة وجود العنصر النسائي في 81 شركة استشارية شملتها الدراسة، بلغت 39٪ من مجموع القوى العاملة أي نسبة 17٪ فقط تشغل منصب شريك تجاري.

فلماذا ينبغي أن تبحث المرأة عن دور في مجال الاستشارات؟

بدأت المؤسسات الاستشارية تلاحظ وجود نقص في وجود  المرأة في العديد من المناصب وبدأت تتجه لاحداث تغييرات على اجراءات التوظيف من ناحية  ووضع سياسات أستباقية من ناحية أخرى. وقد تعهدت مؤسسة أكسنتشر الاستشارية على أن تكون نسبة 40 بالمئة على الاقل من كادرها الوظيفي من النساء بحلول عام 2017. وفي المملكة المتحدة تقدم المؤسسة ذاتها أجازة الأمومة مدفوعة بالكامل مع كافة مستحقاتها طيلة شهور الحمل (بما في ذلك مستحقات بدل عطلة). وبالمثل تقدم شركة ماكينزي التدريب والدعم من قبل شبكة أدارة الامهات الحديثات داخل المؤسسة فضلا عن تقديم المساعدة للموظفات لتسهيل أنتقالهن إلى العمل بعد إجازة الأمومة. وقد أثمرت هذه المبادرات نتائج ملموسة: حيث وجد في مجلة الأم العاملة أن 14 مؤسسة من بين أفضل 100 مؤسسة لعام 2015 حسب التصنيف العالمي، كانت مؤسسات للاستشارات الإدارية متضمنة كبريات المؤسسات الاستشارية العالمية المعروفة مثل أكسنتشر، وديلوايت، وبرايس ووترهاوس كوبرز، وماكينزي، الخ

غالبا ما تقدم المؤسسات ذات الصلة بالقطاعات المالية أو التكنلوجية العديد من المزايا والفوائد الوظيفية: ومع ذلك، توفر المؤسسات الاستشارية ميزة فريدة من نوعها للأمهات العاملات. ذلك لان العمل الاستشاري يتطلب اسابيع أو أشهر ويرتكز بالاساس على المشروع وأنجازه في مقر أصحاب الشأن أي العملاء، ما يتطلب من أعضاء الفريق الاستشاري التنقل من موضع الى آخر داخل المشروع ذاته. وهكذا فحين تعود المرأة من إجازة الأمومة سيكون من السهل عليها الانتقال للعمل في مشروع جديد ولن تضطر الى “استعادة” وظيفتها الاولى. وبما أن فرق العمل الاستشارية تتغير باستمرار، يتمتع الاستشاري بمستوى من التفرد والخصوصية الامر الذي يمكنه من العودة من أجازته لاستئناف العمل مع فريق استشاري مختلف في موقع عمل جديد تماما.

كيف يمكنني اقتحام مجال الاستشارات الإدارية؟

الآن وقد أصبح لديك لمحة عامة عن قطاع الاستشارات الادارية،  يمكنك ترقب نشر الجزء الثاني من هذه السلسلة حيث سأتطرق الى  مختلف المجالات الاستشارية، والمؤسسات التي يمكن تطبيق الاستشارات فيها بالاضافة الى شرح عملية التطبيق.

المصادر:

1) http://fortune.com/2014/06/03/number-of-fortune-500-women-ceos-reaches-historic-high/

2)  http://www.managementtoday.co.uk/news/1189719/mckinsey-head-dominic-barton-we-dont-dominate-brain-pool/

3) http://pwc.blogs.com/gender_agenda/2012/09/gender-diversity-in-professional-service-firms-female-representation-boosts-performance-.html

4) https://www.accenture.com/us-en/Careers/team-culture-diversity.aspx

5) قائمة أفضل 100 مؤسسة لتوظيف الامهات العاملات

http://www.workingmother.com/2015-working-mother-100-best-companies-hub

Leave a Reply

Translate »