لدي الحق أنا ايضاً في أن أتصرف بمرح احياناً بقلم: نور حامد

لدي الحق أنا ايضاً في أن أتصرف بمرح احياناً

بقلم: نور حامد

نور حامد

أعيش حاليا في  وليامزبيرغ في فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية. وهي مدينة جميلة وهادئة على الدوام ولا يكاد يحدث فيها أي شيء غير متوقع. أسكن في تلك المدينة منذ نحو ستة أشهر. أنا أقرَ بأنه لشعور يبعث على الارتياح أن يعيش المرء بشكل طبيعي- حيث لا يسمع صوت دوي الانفجارات أو يتعرض للتهديدات الأمنية بشكل يومي. في مدينتي حيث أنا الآن، يتحدث الناس حول ما يفضلونه من أصناف الطعام وعن حياة المشاهير بدلا من الحديث عن الإرهاب والموت. الناس يبدون هنا مفعمين بالأمل ومتطلعين لغدٍ جديد.

على الرغم من أنني أدرك حقي في التمتع بنمط هذه الحياة، الا انني أجد الأمر صعب التحقيق. فأخبار الوطن هي أول ما أبحث عنه في صحف الصباح وغالباً ما أجدها غير سارة. فإن لم تتحدث الاخبار عن التفجيرات أو الهجمات الإرهابية، هي غالبا ما تعرض للظروف المعيشية غير الإنسانية التي يعانيها ثلاثة ملايين عراقي مهجر داخل العراق. نعم عزيزي القارئ، الرقم الذي تقرؤه غير مبالغ فيه مع الأسف. ثلاثة ملايين انسان أجبر على ترك منزله وممتلكاته وحياته ليلجأ الى حياة النزوح في ظل ظروف لا تطاق، من غير أن يلوح له الأفق عن أي أمل يضع حداً لمعاناته. أنه لأمر ينفطر له قلبي لقلة حيلتي، ولا يسعني غير الشعور بالأسى والاحساس بالذنب يعتصرني لانني لا أعاني ما يعانيه هؤلاء.

كوني مواطنة عاشت في بلد مزقته الحروب يجعل من أمور بسيطة كالتحقق من حسابك على الفيسبوك أمر يبعث على الأسى. ويعتريني الحزن الشديد حين أقرأ ما ينشره معظم الناس عن أطفالهم أو عطلاتهم  أو عن وظيفة حصلوا عليها مؤخرا وغيرها من الانشطة “الاعتيادية”.  في حين ينشر أصدقائي في وطني العراق كيف أنهم نجوا بأعجوبة من انفجار حدث بالأمس القريب. يعتصرني الألم حين ينشر الناس تعليقات مضحكة حول زي مثير للسخرية ترتديه احدى الممثلات،  أو عن علاقة عاطفية بين المشاهير، في الوقت الذي  ينشر فيه العراقيون تعليقاتهم حول حصار تنظيم داعش الارهابي لمدينة صغيرة في الجزء الغربي من العراق لمدة ثلاثة أشهر معرضين سكانها الى الموت جوعا.

في أحد الأيام أخذت أراجع كافة مشاركاتي على الفيسبوك ولاحظت كيف أن معظمها مشاركات تبعث على الحزن والكآبة لانني غالبا ما أكتب عن وطني العراق. ولم أجد منشورا واحدا مضحكا حول أحد المشاهير أو عن برنامج  تلفزيوني معروف على سبيل المثال. وعندها فقط أدركت “بأن لي الحق أنا ايضاً في أن أتصرف بمرحٍ احياناً”

أتمنى أن تكتنف حياتي بعضاً من الامور غير الجادة والمضحكة ، لعلني أنشرها او اتحدث عنها. فللجميع الحق في أن يكونوا غير جادين لبعض الوقت. وللجميع الحق في أن يعيشوا حياة طبيعية . فالحياة الطبيعية ليست امتيازا يقتصر على البعض من الناس بل هي حق للجميع.

إلا ان من بين جميع الاخبار المحزنة التي تتحدث عن الموت والمعاناة، لا أزال أجد بعضاً من أبناء بلدي ينشرون بإيجابية. على سبيل المثال، ما نشر حول مواطن عراقي يتكفل برعاية 32 يتيما عراقيا بالاعتماد على جهود ذاتية في مدينة بغداد. أو ما ينشر حول احتفالات العراقيين بليلة رأس السنة الجديدة وتحديهم للظروف الأمنية الصعبة في الوقت الذي ألغت فيه  العاصمة بروكسل الاحتفالات الرسمية ودعت فيه العاصمة باريس الى إلغاء عرض الالعاب النارية السنوية في شارع الشانزليزيه  خوفا من الهجمات الإرهابية. حين أرى كيف يرفض الناس الرضوخ الى الخوف وتصميمهم على مواصلة الحياة يعتريني بعض من الأمل بأن الغد سيكون أفضل لنا.

كان العراق يعدّ في الماضي دولةً متقدمة. ففيه تولت أول أمرأة منصبا وزاريا في منطقة الشرق الاوسط. كما كان قانون الأحوال الشخصية العراقي يعدّ من أكثر القوانين تطوراً في المنطقة. ولطالما أعتاد طلاب العلم  في الماضي البعيد التوافد الى العراق لدراسة الطب والهندسة وطلب العلم. وبالرغم من أن  أبناء بلدي يعانون الكثير في الوقت الحاضر، ألا انهم لن يستسلموا للأزمات المتوالية.

أنا على يقين من أن السلام سيعم العراق يوماً ما، وسنعمل جميعاً لنيل حقوقنا في العيش بصورةٍ طبيعية!

Leave a Reply

Translate »