كيف نستثمر قضية التباين بين الجنسين في تحقيق النمو الاقتصادي

كيف نستثمر قضية التباين بين الجنسين في تحقيق النمو الاقتصادي

بقلم: غابرييلا راموس، رئيس هيئة الموظفين وتحتل منصب شيربا في قمة العشرين، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

كيف نستثمر قضية التباين بين الجنسين في تحقيق النمو الاقتصادي

لقد حققت المرأة في جميع أنحاء العالم أشواطا كبيرة في مستوى التعليم على مدى العقود الماضية، الامر الذي ساعد على أزدياد مشاركتها في سوق العمل. ومع ذلك فغالبا ما تواجه المرأة صعوبة أكبر من الرجل في العثور على أول وظيفة لها كونها تكسب دخلا أقل نسبيا، كما انها غالبا ما تحصل على عمل بدوام جزئي. يعد تراجع مشاركة المرأة في تنمية الاقتصاد موردا اقتصاديا غير مستغل مكبدا كلا من الاقتصاد والاسرة خسائر فادحة. ينطبق هذا بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا حيث تشارك 23 بالمئة فقط من النساء ممن هن في سن العمل في القوى العاملة، وبذلك يتخلفن عن الرجال في ذات المنطقة بنسبة 78 بالمئة وعن النساء ضمن نطاق دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنسبة 62 بالمئة 1.

تتحقق الكثير من الفائدة جراء ازدياد مشاركة الإناث في القوى العاملة من حيث تحقيق النمو والمزيد من الانتعاش الاقتصادي. ومن هذا المنطلق اتفق قادة مجموعة العشرين في عام 2014 على تحديد الهدف الذي من شأنه تقليل الفجوة بين الجنسين فيما يتعلق بمعدلات المشاركة في سوق العمل بنسبة 25 بالمئة بحلول عام 2025، مع مراعاة الظروف المحلية للدول المشاركة. ويعد تحقيق الهدف “25 بحلول عام 2025” طفرة كبيرة تفتخر به منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كونها شاركت بشكل وثيق في تطويره. يعد هذا الهدف مهما جدا لتحقيقه “فائدة مضاعفة”.

في مستهل الامر ستندرج أكثر من 100 مليون امرأة ضمن القوى العاملة وتزداد مشاركتها، حيث يعد تراجع نسبة المشاركة مشكلة جوهرية في العديد من البلدان. فمع ازدياد أعمار القوى العاملة من سكان العالم، من الواجب تعبئة جميع الطاقات الشابة المتاحة لضمان تحقيق الرخاء في المستقبل. وفي عام 2012، بلغت معدلات مشاركة القوى العاملة النسوية ضمن دول مجموعة العشرين، في المتوسط أقل من 10 بالمئة من نظرائهن من الرجال، كما تتواجد اختلافات واضحة بين الجنسين على نطاق الدولة الواحدة. ففي الهند والمملكة العربية السعودية على سبيل المثال تبلغ نسبة الفجوة أكثر من 50 بالمئة. أما في بعض دول المنطقة، بما في ذلك الجزائر والعراق، فقد تجاوزت الفجوة نسبة نقاط 60 بالمئة2. وفي العديد من البلدان الناشئة، فإن السيناريو المتعلق بـ “25 بحلول عام 2025” سيكون له أثر كبير جدا على حجم القوى العاملة. ففي الهند على سبيل المثال، ستصبح سوق القوى العاملة أكبر بنسبة 11 بالمئة نتيجة لدخول حوالي 64 مليون من النساء إليها.

ثانيا، وبالنظر إلى التقدم الهائل الذي طرأ على تحصيل المرأة للتعليم، فمن شأن تحقيق الهدف “25 بحلول عام 2025” أن يساعد في تحقيق إنتاجية أعلى في العمل، بمعنى أن أقل من 10 بالمئة من متوسط عدد النساء في بلدان منظمة التعاون والتنمية الحالية، حصلن على درجة التعليم العالي في العقد الذي أعقب الحرب العالمية الثانية واليوم شهد هذا الرقم ارتفاعا بنسبة 34 بالمئة!

وفقاً للاحصائيات، تتقدم الفتيات على الفتيان في التعليم في معظم دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: ففي عام 2012 حازت نسبة 34 بالمئة من النساء في جميع أنحاء دول منطقة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على المستوى الثلاثي من التعليم (أي الابتدائي والمتوسط ثم الثانوي أو الاعدادي) مقارنة مع 30 بالمئة من الرجال. وغالبية الطلاب المسجلين في التعليم العالي في منطقة الشرق الأوسط هم من النساء. وتشارك النساء أيضا بصورة اكبر في برامج البحوث المتقدمة: ففي عام 2010 تراوحت نسبة درجات البحوث المتقدمة الممنوحة للنساء ما بين 40 بالمئة و 50 بالمئة في منطقة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وفقا للبرنامج الدولي لتقييم الطلبة، والذي يعرف أيضا باسم المسح PISA، يعد البنين أكثرقابلية من البنات على الحصول على مستوى تقييم متدن في القراءة والعلوم والرياضيات. بالاضافة الى ان أداءهم يعد أقل من ذلك بكثير في القراءة من بين جميع البلدان النامية والاقتصادات المشاركة ضمن هذا المسح مع وجود معدل متوسط للفجوة بين الجنسين لصالح الفتيات بنسبة 38 درجة في عام 2012. وتعد الفجوة في الأداء بين الجنسين أكبر بكثير في قطر والأردن والإمارات العربية المتحدة3.

في حين تتخلف الفتيات بعمر 15 عاما في الأداء في مادة الرياضيات في معظم البلدان والاقتصادات المشاركة في مسح PISA، مع معدل متوسط للفجوة بين الجنسين لصالح الأولاد بنسبة 11 درجة في عام 2012. وهناك اختلاف بسيط جدا في الأداء في مادة العلوم بين البنين والبنات4. وفي الواقع تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا استثناءا هنا وذلك يعود الى أن الفتيات في الأردن وقطر والإمارات العربية المتحدة – ما عدا تونس – يملن فعلا لإحراز أداء أفضل من البنين في مادة الرياضيات.

تشير الادلة التي حصلت عليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن الفوارق بين الجنسين في الأداء لا تنبع من الاختلافات الفطرية في القدرة، بل تنبع بالاحرى من ميول الطلبة نحو التعلم والسلوك المتبع في المدرسة والمنزل. فتشعر الفتيات بثقة أقل حيال قدرتهن على القيام بالمعادلات الحسابية وغالبا ما يشعرن بالقلق تجاهها. وفي معدل متوسط، تصرح نسبة أكثر من 9 بالمئة من الفتيات بأنهن “لسن بارعات في مادة الرياضيات”، وحسب وفقا لبيانات التقييم الدولي للطالب لعام 2012. لكن المثير للاستغراب هو ان الفتيات بارعات فعلا في مادة الرياضيات! وتشير بيانات PISA الى عدم وجود فجوة في الأداء بين الفتيان والفتيات الذين هم على ثقة متساوية بقدراتهم في مادة الرياضيات. كما وتظهر الفتيات مستوى متدن للثقة في مادة العلوم في حين يتساوى مستوى الأداء في هذه المادة بين الاولاد والبنات وفق التقييم الدولي للطالب5. يعد ردم فجوة الثقة هذه أمرا ضروريا لتحقيق المساواة بين الجنسين ليس فقط في التعليم بل في التمكين الاقتصادي بشكل عام.

ولكي تجني مجتمعاتنا واقتصاداتنا ثمار نجاح تحسين أداء تعليم المرأة، تحتاج المرأة إلى أن تندمج اندماجا كاملا في القوى العاملة. ونعني بالاندماج هنا توفير فرص عمل متكافئة لكسب الدخل والتقدم الوظيفي والقدرة على اختيار المهنة. ويمكن تأمين هذه الفرص من خلال إحداث نهج للتدخل واسع النطاق يشتمل على إجازة الامومة والأبوة المدفوعة مسبقا للأمهات العاملات والآباء العاملين، والحصول على خدمات لرعاية الاطفال عالية الجودة وبكلف معتدلة بالاضافة الى خدمات رعاية طويلة الامد لاعالة الاشخاص الاخرين ووضع التدابير الرامية إلى تعزيز الأجور والتقدم الوظيفي على قدم المساواة للنساء. لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المجال لعمل التحسينات في هذه المجالات من أجل صياغة هذا النهجن ويمكن ان نبدأ نهج كهذا بتمديد إجازة الأمومة حسب المعايير الدولية، وضمان عدم تحمل أصحاب العمل للتكاليف المباشرة المتأتية من إجازة الأمومة.

تواجه النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا قيوداً قانونية واجتماعية مضاعفة. وصادقت العديد من الدول في المنطقة اليوم على الاتفاقية التي نص عليها مؤتمر القضاء على كافة اشكال التمييز العنصري ضد النساء6 وعمدت الى تضمين مبادئ المساواة بين الجنسين في دساتيرها. ومع ذلك ما زالت النساء يواجهن أحكاما تمييزية قانونية وأعرافاً اجتماعية تحد من قدرتهن على التنقل بسهولة، وتحد من ساعات عملهن، وتقلل من امتهانهن للوظائف المناسبة. ولا يحد هذا فقط من اختيارات المرأة وحسب لكنه يجعل أرباب العمل يتوجسون من توظيف النساء ظنا منهم أنهن أقل إنتاجية وأكثر تكلفة للتوظيف. وإلى جانب تخفيف تلك القيود ينبغي على دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا دعم المشاريع النسوية ذات الريادة والتي ما زالت تشكل موردا رئيسيا غير مستغل لعمالة النساء وخلق فرص للعمل. أن نسبة 12 بالمئة فقط من النساء البالغات يعدن من اصحاب الأعمال في دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا مقارنة بـ 31 بالمئة من الرجال. وبالامكان دعم صاحبات المشاريع من خلال التدريب على المتطلبات القانونية، والتخطيط للاعمال، ووضع الميزانيات المالية، والحصول على التمويل ووسائل التكنولوجيا. يعد حصول المرأة على التمويل المناسب هو الاخر أمرا بحاجة الى التحسين. وتكمن الاولوية في هذا المجال في ضمان الحقوق المتساوية في الحصول على الممتلكات التي يمكن استخدامها كضمان للحصول على قروض. وينبغي كذلك العمل على رفع مستوى الوعي لدى المؤسسات المالية وبصورة أشمل التوعية حول أهمية وفوائد تنمية روح المبادرة لدى النساء7.

وفي كافة الاحوال يشكل تحقيق هدف 25 بالمئة بحلول عام 2025 تحديا يمكن تحقيقه في ذات الوقت والأهم من ذلك أنه يعد ضروريا. ينبغي لنا العمل معا للحد من الفجوة بين الجنسين في المواقف والسلوكيات ومجالات الدراسة لإعطاء الجميع فرصا متكافئة على حد سواء. فلنبني معا عالما يعيش فيه الجميع وفق أهتماماتهم ويصبون الى تسخير مواهبهم، مدركين تماما لإمكاناتهم، دون خوف. دعونا نقوم بذلك من أجلنا جميعا.

1 مؤشرات النمو العالمي، نسبة مشاركة القوى العاملة، الاناث (النسبة المئوية للسكان الاناث من عمر 15-64) وفق لمعايير منظمة العمل الدولية

2 مؤشرات النمو العالمي، نسبة مشاركة القوى العاملة، الاناث (النسبة المئوية للسكان الاناث من عمر 15-64) وفق لمعايير منظمة العمل الدولية

3 مؤتمر التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2105، أبجدية التكافؤ بين الجنسين في التعليم: الاهلية، السلوك، الثقة بالنفس، التقييم الدولي للطالب، منشورات مؤتمر التعاون الاقتصادي والتنمية، باريس  http://dx.doi.org/10.1787/9789264229945-en

4 مؤتمر التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2015، أبجدية التكافؤ بين الجنسين في التعليم

5 مؤتمر التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2015، ابجدية التكافؤ بين الجنسين في التعليم

6 مؤتمر القضاء على كافة أشكال التمييز العنصري ضد النساء

7 مؤتمر التعاون الاقتصادي والتنمية / مركز المرأة العربية للتدريب والبحث (2014) النساء في الحياة العامة: التباين بين الجنسين، القانون وصياغة السياسة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، منشورات مؤتمر التعاون الاقتصادي والتنمية، باريس  http://dx.doi.org/10.1787/9789264224636-en

8 مؤتمر التعاون الاقتصادي والتنمية (2014)، النساء والاعمال التجارية 2014: التعجيل بالمبادرات التجارية الريادية في منطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، منشورات مؤتمر التعاون الاقتصادي والتنمية، باريس: http://dx.doi.org/10.1787/9789264213944-en

Leave a Reply

Translate »