سبعة أشهر في الشرق الاوسط

سبعة أشهر في الشرق الاوسط

بقلم نيكول دوناشيه

نيكول

نيكول     

أنهيت منذ أسبوعين مهمة عمل لي استغرقت سبعة أشهر في المملكة العربية السعودية. قد لا يبدو هذا الامر شيئا ذا أهمية بالنسبة لقراء نينا لكن بالنسبة لي شكّـل الامر تحديا غير متوقع. لقد ولدت في برمودا، الا انني أسكن واعمل اليوم في لندن التي تبدو مبانيها الرمادية الصلبة وأيامها الممطرة معزولة تماما عن المكتب الذي تغمره الرمال في آفاق مدينة الخبر المتربة.

وبالرغم من ذلك قررت أن أسبر غور السعودية واكتشفها بنفسي كمغتربة تكتسب الخبرة. لقد عشت في برمودا وجزر الباهاما وإنجلترا واسكتلندا وزامبيا والولايات المتحدة الامريكية. فأنا هادئة بطبعي وقابلة للتكيف وأحسب أن قدرتي على الملاحظة والاستجابة تعني أنني قادرة على العيش والعمل في أي مكان.

في البدء، لا تبدو السعودية مثل برمودا. بدا ذلك جليا: ذلك لاننا في برمودا تتعرض بشرتنا لأشعة الشمس بينما بدا السعوديون معزولين ملثمين تحت طيات من العباءات السود والاثواب البيضاء. سكان برمودا يسعدون بسماع اصوات المنشدين وهي تصدح على الرمال الوردية اللون حيث شواطئ البحار الزرقاء والوجوه المبتسمة التي يألفها المسرح العالمي. على الرغم من تلك الانشطة لا يتذكر العديد من زملائي في السعودية أين تقع برمودا بالضبط. ومن ناحية أخرى، وبينما كنت أقيم في مدينة الخبر، تصدرت السعودية واجهة الساحة العالمية عدة مرات: عبر اخبار الخلافة الملكية وأسعار النفط العالمية والتفجيرات في القطيف المجاورة والاحداث في اليمن. شعرت بأعين العالم وهي تتوجه نحو تصاعد وتيرة العنف في المنطقة وازدياد الاجراءات الامنية الاضافية على طول الطريق الى الفندق حيث مكثت، وحول المجمع حيث كنت أعمل، الامر كان كافيا ليشعر المرء بالعزلة، أما الخصوصية وما تمثله الجدران العالية والقواطع التي عزلت المطاعم فقد إنصبّـت تداعياتها هي الاخرى في نفس السياق.

ومع ذلك، وبمرور الوقت بدا لي كل شئ آخر في العالم ناءٍ وبعيد. ففي مكان العمل حيث كنت جزءا من فريق يقوم بنصب نظام حاسوبي جديد، بدت التحديات مماثلة لغيرها من الأماكن التي عشت بها آنفا بما في ذلك تعلم كيفية التعاون مع مجهزين متعددين، وتحقيق التوازن بين مواعيد عمل نهائية متقاربة ووضع حلول عملية وإدارة لميزانية محدودة. إن العمل مع المستهلكين أو الموظفين واستخدام نظام جديد يشكل مكافأة بحد ذاتها. لقد تعلمت كيفية التحدث مع أمرأة محجبة من خلال النظر الى عينيها وإجراء محادثة مثمرة حول سير عملها وسير عمل النظام الحالي معها ومناقشة أماكن الخلل والعيوب الرئيسية التي تحتاج إلى المعاينة أوالتصحيح.

امتازت ورش العمل التي نظمتها في السعودية بالتنوع كما انها طورت مهاراتي المكتسبة بطرق غير متوقعة. فبعيداً عن مسألة “الحجاب والانعزال” كان الرجال والنساء على حد سواء في غاية السعادة للتحدث وتبادل الآراء بكل أمانة. وثانيا، ان التعرف على زملاء العمل كشف لي وبسرعة كبيرة بأن السعودية أكثر انفتاحا مما كنت أتخيل: عملت مع زملاء من لبنان والأردن ومصر وسوريا وأيرلندا وباكستان والولايات المتحدة الامريكية والهند وبطبيعة الحال السعودية. شعرت بامتياز العمل بشكل وثيق مع الثقافات من جميع أنحاء العالم. ففي الواقع، لا تزال تجارب العمل “الدولية” تطبق بشكل واسع: وكنت بحاجة الى الانتباه الى ما يقوله الناس: ومراقبة الاشارات غير المنطوقة للحصول على الاحساس بالكيفية التي يعامل بها فريق العمل وفهم الإحباطات التي يشعر بها الناس في مناخ العمل (الالتفات الى تلك الاحباطات التي يمكن لنظام الكمبيوتر الجديد أن يكون قادرا على حلها)، والوصول إلى توافق في الآراء بخصوص الاساليب الجديدة حيثما تستدعي الحاجة. من هذا المنظور شعرت بان هناك نوعين من السعوديين: أولهما المتعارف عليه في وسائل الاعلام ويبين النخبة من الطبقة الحاكمة وثانيهما هم الذين عرفتهم وتقاسمت معهم العمل كل يوم. أعترف بأنني لا أتغاضى عن أفعال الدولة السعودية لكني أكن كل التقدير نحو أناس الذين تعرفت عليهم في ذلك البلد.

كنت أثب لمرة واحدة في الأسبوع الى فصل من فصول دراسة اللغة العربية الابتدائية على شبكة الانترنت مع سيدة مصرية حادة الذكاء. وكمدرسة وضعت لي تحد خاص. كنت أحب أن اتوسع برأيي بما يكفي لفهم حروف واصوات جديدة في لغة مثيرة للاعجاب. على الرغم من أنني كنت أدرس في مستوى للمبتدئين فلقد اعتراني التقدير لجمال وتعقيد اللغة العربية. وما ساعد في ذلك هو إلمامي القليل بأهمية الكتابة العربية: بعد أن أستحوذ عليّ الاعجاب بفن استخدام الكتابة باللغة العربية مرة قبل عدة سنوات من سفري الى تلك البقعة من الارض وتارة اخرى في الشرق الأوسط في الاجواء الخيالية لمتحف الفن الاسلامي في مدينة الدوحة.

أينما حللت ستسافر معي نكهات الشرق الأوسط. أحببت الخبز المسطح والشاورما والفتوش والحمص والمتبل. بقيت تلك النكهات عالقة في ذاكرتي اثناء رحلة إلى الأردن في أحدى الايام. ففي طريقنا إلى البتراء توقفنا انا وخطيبي في مطعم صغير نستمع فيه الى الموسيقى ونتناول الباذنجان المشوي مع الحمص ونحن ننظر الى وجوه السياح الجالسين حولنا يعتريهم شعور بالرضى والسرور. وأنا في الاردن شعرت وكأنني في وطني: حيث ذكرني دفء شعبها بالابتهاج الذي كنت اشعر به مع أصدقائي في منطقة البحر الكاريبي.

أود أن أنهي مقالتي بالعودة للتبصر بالدفء الذي احسست به. فلقد وجدت كل الصدق في كل مرة اتبادل بها كلمة السلام عليكم – وعليكم السلام، أو في كل مرة اتناول فيها التمر والقهوة العربية في باحات دولة الإمارات العربية المتحدة ووجدت الاناة والصبر من قبل المستهلكين النهائيين كلما تحدثت معهم عن وظيفة النظام الجديد وعندما حملني زملائي من الهدايا التي أثارت دهشتي حين ودعتهم مغادرة اراضي السعودية. في الوقت الذي أدرك فيه أنني لا أستحق فيه ميداليات لقب “الخبير” المغترب سأظل اتذكر دوما براعة هذه البقعة من الارض على إثارتها لدهشتي. أنا مسرورة لأنني ارتقيت الى مستوى التحدي غير المتوقع في قضاء سبعة أشهر في السعودية.

Leave a Reply

Translate »