أنا رجل.. وأعتني بكل من والديّ وابني

أنا رجل..وأعتني بكل من والدتي وابني

بقلم: مارك تيلبري

مارك تيلبري

مارك تيلبري

نشرت العديد من المقالات والمدونات التي كتبت في الغرب حول إدارة المسيرة المهنية والتعامل مع عائلة فتية في ذات الوقت. فإيجاد التوازن مابين العمل والحياة الاجتماعية يعد محوراً مثيراً للاهتمام ويأتي على قمة أولويات جدول اعمال العديد من المؤسسات الكبرى في الغرب. وكم كان ملهما الاستماع الى تجارب الناس الذين يجيدون تبادل الادوار بين المهنة والأسرة سواء كانت من الاسر التي تنتظر مولودا جديدا أم الاسر المتكونة من الآباء والأمهات الشباب وكيف يتعاملون مع متطلبات رعاية الأطفال.

أود هنا أن أضيف وجهة نظر مختلفة قليلا لهذا النقاش والتطرق الى قضية رعاية الشخص لوالديه وأبنائه في آن واحد حيث قرأت عن هذا الموضوع ومدى تأثيره على ما يقرب من مليون شخص في المملكة المتحدة بما في ذلك إدارة الحياة المهنية والأسرية. ومن هذا المنظور بدأت أنظر بغبطة الى الثقافة المتأثرة بالعلاقات الأسرية التي يصف بها الكثيرون الشرق الأوسط وبالاخص الصفات والميول الجماعية والأسرة والتسلسل الهرمي والمكانة الاجتماعية – والتي غالبا ما تنفض الى النقاش الدائر حول مبدأ الفردية مقارنة بمبدأ الجماعة الذي يلمح اليه الكثيرون عند النظر في التباين بين الشرق الأوسط والثقافات الغربية.

لدي صبي يقبل على عامه السابع من العمر ووالدة مسنة مصابة بمرض فقدان الذاكرة. لا أظن بأن هناك شئ أكثر استنزافا للطاقة وارهاقا للعاطفة ومسبباً للشعور بالذنب من رعاية أحد والديك المسنين وتنشئة طفل في ذات الوقت. إذ يصعب التعامل مع  حمل أضافي يتعلق بحالة مرضية لأحد الوالدين ذلك لأنه لا يعني فقط التنظيف الجسدي والإطعام والاهتمام بالشؤون المالية والطبية ولكنه يعني أيضا التأثير على طفلك الذي يصبح متوترا وقلقا حول ما يدور داخل محيط ألأسرة لأنه يشعر بالأسى حيال التغييرات التي تحدث لجدته ويشعر بالاهمال لان الاهتمام ينصب على شخص آخر لذا ينتابه شعور بالخوف عموما من المجهول.

انا أعمل في مؤسسة استشارية كبيرة حيث ترتكز مهامي على إسداء المشورة للشركات حول كيفية استخدام تقنيات جديدة لتغيير أساليب العمل. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية كان التركيز الرئيسي منصبا على تقنيات التعاون.

كانت احدى الأسباب التي دفعتني للتركيز على أيجاد طرق جديدة للعمل وتحسين التقنيات الافتراضية في أواخر عقد التسعينات وأوائل الالفية الجديدة هو القدرة على القيام بدور فاعل في رعاية وتنشئة ابني. أتذكر وباعتزاز كيف كان علي الانتظار لدقائق لتلقي نغمة الاتصال الهاتفي بشبكة الانترنت حتى أتمكن من الوصول إلى البريد الإلكتروني والشبكة الداخلية الإنترانت أو الشبكات الخارجية وما إلى ذلك. فما كان يتطلب لبضع ثواني في المكتب كان سيستغرق دقائق عن طريق الطلب الهاتفي ولكن المرونة  في متطلبات العمل مكنتني وزوجتي من المشاركة في واجبات رعاية الطفل والحصول كأسرة على ذكريات مميزة ستبقى في الذاكرة الى الابد.

كان واحدا من أساليب التعايش التي اتخذتها هو تقييمي لنفسي ولمدى قدرتي على المضي في مسيرتي خلال هذه الفترة. في الوقت الذي وفرت التقنيات الحديثة قدرة أكبر على العمل بعيدا عن المكتب فبالمقابل ظلت الموارد البشرية وسياسات المؤسسة بطيئة في اللحاق بركب التكنولوجيا ووجدت نفسي جزءا من العدد المتزايد الذين كانوا يحاولون التوفيق بين ترتيبات العمل غير الرسمية وسياسات الموارد البشرية الصارمة التي لم تعد تتلائم ومطالب أولياء الامور في محيط العمل. شعرت بأن تدابير العمل الجديدة تمثل عقبة أمام التطوير الوظيفي الذي طمحت إليه ولكنه مع ذلك لا يزال أمرا يمكن التغلب عليه.

وتدريجيا مع تقدم العقد الاول من هذا القرن بدأت العديد من الشركات والمؤسسات باستيعاب الحاجة إلى تغيير السياسات والتوجه أكثر نحو تدريب وتطوير الآباء والامهات العاملين. إذا قارنت الوضع اليوم عما كان عليه الحال في أواخر التسعينات وأوائل الالفية الحالية (سواء في مجال التكنولوجيا وسياسات المؤسسات) لوجدت تقدما هائلا. لا تزال هناك بعض العقبات مثل التقدير والترقية والمكافأة لكن العمل جار على معالجتها تدريجيا في العديد من المؤسسات. كما وشهدت بعض المؤسسات في بداية هذا القرن الحاجة إلى التغيير لتعكس التغيير في قوى العمل كذلك. لدي تصور بأنه مع نمو جيل الساندويش ستكون هناك حاجة إلى تقييم آخر داخل تلك المؤسسات للوقوف على كيفية الاحتفاظ بها وتطوير هذه التجمعات. أشعر حاليا بأن محاولة تطوير مسيرتي المهنية خلال فترة اعتنائي بجيلين احدهما جيل الآباء والآخر جيل الابناء، هو مسألة صعبة التطبيق. فقبل أن تصبح حالة والدتي أسوأ كنت أعمل لواحدة من احدى أربع كبريات المؤسسات في وظيفة كثيرة الأسفار. بات السفر المستمر مستحيلا وذلك للحاجة الى ان اكون قريبا من المنزل حيث تزايدت الضرورة لوجودي مع تكرار الزيارات الطبية وواجبات الرعاية الاخرى مع الايام.

كيف ستبدأ الشركات بمعالجة التغييرات القادمة ومطالب القوى العاملة لديها؟ لا تتوفر عندي الأجوبة أو الحلول المناسبة ولكنني أشعر بحاجة تلك الشركات الى تغيير العديد من مقومات التعامل مع الموظفين – نحن لا نزال في بدايات تطوير أدوات التواصل التي تساهم في تطوير الحياة المهنية للفرد، تخيل كيف سيبدو عليه موقع لنكدإن بعد خمسة سنوات من الآن! حيث لا زالت عقود الموارد البشرية والسياسات والإجراءات تتركز بالدرجة الأولى على تواجد الموظف من الساعة التاسعة صباحا وحتى الساعة الخامسة عصرا عوضا عن أن تعكس الطلب المتزايد للمرونة في العمل التي يطالب بها الفرد. لا يتركز معنى المرونة بالضرورة حول العمل في المنزل أو أيام تبادل الادوار بين العمل والمنزل ولكنه يعني تغيير عقود العمل لتعكس متطلبات الحياة الجديدة كأن يكون مثلا التركيز حول الإنجازات والمهام المنجزة بدلا من التركيز على الفترة التي تمت فيها تلك المهام والمكان والزمان الذي أنجزت فيهما.

من هنا انطلقت للبحث في القيم التقليدية للحلول في الشرق الأوسط وأتساءل عما إذا كان مفهومنا “للفردية” في الغرب قد توغل بعيدا عن الواقع؟ فبينما نحاول معالجة الامر باستخدام سياسات مألوفة للأسرة مثل قسائم رعاية الأطفال أو التسامح بإجازة عن العمل بسبب “قضايا أسرية” فهي لا تزال  تمثل حلولاً مؤقتة وغير كافية لمشكلة مهمة.

عندما أنظر الى ما تقدمه الثقافة الجمعية للشرق الأوسط حيث يعيش الاقارب معا أو قريبا من بعضهم البعض وحيث الروابط الأسرية المتينة وتوفر الرعاية للمسنين في بيئة اسرية واحدة. فشبكة التواصل والتقارب الاولى لك هي عائلتك.

لطالما كانت قضية “التقارب” هذه أمرا مثيرا لاهتمامي. قد يبدو بأنني أحاول هنا أن اجد وجها للتشابه لأحدث تأثيرا معينا فلك أن تعرف بأن جزءا كبيرا من التقدم الوظيفي في الخدمات الاستشارية يعتمد بالأصل على القدرة على التواصل داخليا. حتى في عام 2015 كان لا يزال مفهوم التقارب هذا يعني حضور اللقاءات غير الرسمية بعد العمل أو المناسبات المسائية أو حضور اللقاءات غير الرسمية مع فريق العمل.

قد يناسب نوع التواصل هذا الكثيرين ممن ليس لديهم مسؤوليات للاعتناء بالأبناء – فعندما كنت شابا أتمتع بالحرية  قضيت الكثير من الوقت بالقيام بأشياء مماثلة داخل مؤسسات العمل. ولكن بالنسبة للأعداد المتزايدة من الناس ممن لديهم مسؤوليات اخرى تجاه عوائلهم فأن القدرة على قضاء أمسيات من هذا النوع بعيدا عن الأسرة أصبح أمرا غير عملي وبالنسبة للكثيرين أمرا مستحيلا. إن الالتزامات نحو الأطفال وأولياء الأمور تمنع حدوث وسيلة التقارب هذه. لذا فأن زيادة “مشاريع ادوات التواصل الاجتماعية” بدأت تلعب دورا حيويا في جعل الفرد معروفا داخل المؤسسات للتقليل من الحاجة إلى التواجد في محيط العمل كجزء ضروري للتقدم.

أنا وإبني

أنا وإبني

يمكننا أن نتعلم من الثقافات الاخرى خاصة فيما يخص مسألة التقارب الأسري بوصفه وسيلة للدعم. يبدو أننا فقدنا صمام الأمان هذا بينما نحث الخطى بعيدا عن جذور العائلة. فأن تكون قادرا على محادثة الاسرة باستخدام سكايب لهو امر رائع ولكن القدرة على تقديم الدعم المادي والعاطفي ستكون محدودة. وقد يرفع رؤيتنا لوجوه أحبائنا على سكايب من روحنا المعنوية ولكن في العديد من المناسبات كنا في أمسّ الحاجة إلى رفع معنوي من نوع أخر وهو ان يتواجد شخصا مقربا إليك لدعمك وهو الدعم الذي لا يمكن ان يحققه إلا شخص مقرب من افراد العائلة.

في حين أننا نعتز بوسائل التكنولوجيا وبممارسات العمل الحديثة لدعمنا في تلبية متطلبات حياتنا ينبغي علينا أن نتذكر كذلك أهمية الدعم الأساسي الذي يوفره التقارب الاسري.  ومع وضع هذا في نظر الاعتبار سنلجأ وبازدياد نحو الثقافة الجمعية للشرق الأوسط ونحن نتطلع إلى التعامل مع قضية متفاقمة مثل الاعتناء بجيلين مختلفين او ما يصطلح عليه في الغرب بـ”جيل الساندويتش”.

Leave a Reply

Translate »