ضمان استمرارية تدفق النفط العراقي

ضمان استمرارية تدفق النفط العراقي  

بقلم: وليد كمهية

وليد كمهية

وليد كمهية

يستعرض لنا المستشار في شركة أكسنتشر للنفط والغاز الاستشارية وليد كمهية قصة نجاح تلقي بظلالها على واقع انتاج النفط في العراق

أنتج العراق خلال  شهر حزيران من عام 2015 معدل 3.19 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى للإنتاج له منذ عام 1980. كما تجاوز هذا المستوى إنتاج الذروة عام 2002 قبل الحرب والذي بلغ حينها 2.8 مليون برميل يومياً. ويعد هذا الإنجاز الرائع دليلا على تصميم وعزيمة العراق للاستثمار المستقبلي كدولة مؤسسة في منظمة أوبك.

لقد عملت على دراسات مماثلة لمشاريع استثمارية في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا بصفتي مستشاراً ستراتيجياً لمؤسسة أكسنتشر للنفط والغاز في لندن، وعضو في جمعية مهندسي البترول،. كما أنني أتابع باهتمام كبير آخر التطورات في صناعة النفط في عدة بلدان بما في ذلك العراق.

كيف استطاع العراق ان يحقق هذا المستوى من زيادة الإنتاج خلال العقد الماضي؟ هذا ما سأتطرق اليه في هذه المقالة التي تستند الى أبحاث موثقة بغية التوصل الى حقائق أكثر عمقا لما ينبغي القيام به للمحافظة على هذا المستوى من الانتاج.

لقد كانت المنشآت النفطية إحدى الأجزاء القليلة من البلاد التي سعت قوات التحالف لحمايتها من التخريب والتدمير بعد انهيار نظام صدام وما تبعه من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. على سبيل المثال كانت حماية محطة تصدير نفط البصرة ذات القدرة التصديرية التي تبلغ 1.6 مليون برميل يوميا والتي تقع في الطرف الشمالي من الخليج العربي تمثل أولوية كبيرة. في حين لم تكن المنشآت النفطية محصنة تماما ضد الدمار الذي تعرضت له اجزاء أخرى من البلاد في ظل ظروف الفوضى التي تلت مرحلة الغزو، لكن المجهود الاولي الذي بذل في حمايتها أبقى البنية التحتية النفطية سليمة. لقد كانت الاضرار التي تعرضت لها المنشآت النفطية طفيفة وقابلة للتصليح من قبل المهندسين والفنيين العراقيين من ذوي الخبرة والمهارات العالية فضلا عن الخبراء الدوليين. في حين ان بعض الأجزاء غير المحصنة للبنية التحتية النفطية مثل خطوط الأنابيب الممتدة عبر البلاد قد تعرضت لهجمات متكررة.  وعموما فلقد نجا قطاع النفط نسبيا ولم يصب بأضرار فادحة مع تراجع الانتاج بنسبة مليون الى مليون ونصف برميل يومياً. ويمثل هذا تبايناً كبيراً مقارنة بالانتاج خلال حرب الخليج عام 1991 عندما انخفض انتاج النفط من 2,5 مليون برميل الى نصف مليون برميل يومياً.

Iraq's Oil and Gas Infrastructureان مضي أكثر من عقد من العقوبات الاقتصادية التي فرضت على العراق بعد انتهاء حرب الخليج الأولى أثر وبشكل كبير على البنى التحتية والمرافق الخدمية حيث كانت تعمل في الحدود الدنيا من مستويات أدائها. حيث ان العقوبات الاقتصادية جعلت امور الصيانة والتحديث والاستثمارات الرأسمالي غير ممكنة. وحقيقة أن قطاع النفط كان يعمل رغم كل الظروف التي أحيطت به لهو شهادة على عزم وبراعة المهندسين والفنيين العراقيين. أقرت الحكومة العراقية قرارا لا تزال آثاره ملموسة لهذا اليوم وهو فتح قطاع النفط للاستثمار مع كبريات شركات النفط العالمية. وقد أدى ذلك الى دخول شركات كبرى مثل بريتيش بتروليوم وشل وتوتال ولوك أويل وبتروناس وشركة CNPC الصينية العاملة في أكبر حقول النفط في العالم في جنوب العراق اليوم. كما وأدخلت الحكومة العراقية حيز التنفيذ العديد من اتفاقيات الإنتاج التي تم التفاوض عليها خلال العقود القليلة الماضية. وشملت هذه الاتفاقيات استرداد تكاليف الانتاج عن طريق براميل النفط بدلا من الدفع النقدي. أثبتت هذه الستراتيجية نجاحها لدى الحكومة التي تعاني من نقص السيولة النقدية بما انها تمول حاليا حربها ضد تنظيم داعش الارهابي.

كما جرى تشجيع شركات النفط العالمية والمنتجين المستقلين للاستثمار في كردستان التي ما زالت في طور التنمية. وتعد شركة جينيل التركية للطاقة (والتي كان يرأسها في ذلك الوقت رئيس بريتيش بيتروليوم السابق توني هايوارد) إحدى الشركات المنتجة في المنطقة. وتعد شركة “طاقة” المنقبة والمنتجة للنفط ومقرها أبو ظبي هي الاخرى إحدى الشركات المنتجة في المنطقة. لقد نما انتاج القطاع النفطي في كردستان بشكل سريع جدا مما تحتم تشييد بنية تحتية تصديرية كبيرة للتعامل مع طاقة الانتاج الجديدة.

على الرغم من تحقيق كل تلك النجاحات إلا أن من أهم العوامل التي تقوم عليها الصناعة النفطية ألا وهي الخبرات العراقية لم تتم حمايتهم بشكل كاف. فبعد عام 2003 اضطر الكثير من المهندسين الذين حافظوا على تشغيل البنية التحتية المتهالكة للقطاع بمغادرة العراق حرصا على حياتهم مما أدى الى حدوث هجرة كبيرة للخبرات في ذلك الوقت في ظروف كانت البلاد فيها بأمس الحاجة إليهم. وعلى الرغم من ان الكثير قد بدأ بالعودة مجددا الا انه من الضروري بذل الكثير من الجهود لحمايتهم وأسرهم. وهذا سيكون عاملا حاسما لتحقيق الأهداف الطموحة للصناعة النفطية وهو الوصول الى طاقة إنتاجية تبلغ 5,5 – 6 مليون برميل يوميا بحلول عام 2020.

ميناء نفط البصرة

ميناء نفط البصرة

ينبغي للعراق ان يواصل الاستثمار في الجيل القادم من المتخصصين محليا في هذا القطاع. ويجب كذلك تشجيع الرجال والنساء من الشباب العراقي للتخصص في دراسة المجالات المتعلقة بالنفط والغاز وبرامج التدريب المهني. وكذلك تطوير المجالات الدراسية ذات الصلة مثل التمويل والمحاسبة، والاستشارات، والبناء وإدارة الموارد البشرية. ان العراق بحاجة إلى إنشاء قاعدة من الخبرات المهنية وفقاً للمعايير العالمية وذلك من أجل تبني التغييرات المؤثرة في صناعة النفط العراقية الجديدة – هذه الصناعة التي تختلف اختلافا كبيرا عما كانت عليه خلال السنوات الـ 50 الماضية – مع المشهد التجاري المفتوح على مصراعيه اليوم للمنافسة الدولية. إن قصص النجاح مثل تلك التي أحرزتها شركة “كار” لنشاطات الطاقة مهمة في خلق المنافسة الدولية. حيث تنتج هذه الشركة النفط من حقل خورمالة وتدير مصفى أربيل لتكرير النفط. يبين هذا النجاح كيف يمكن للحوافز المناسبة وتوفير المعرفة والخبرة اللازمة أن يمكن المشغلين المحليين من إحراز النجاح. الامر الذي يمكن تكراره في جميع أنحاء البلاد.

إن لوجود الحوافز من شأنه أن يضع أطراً صحيحة لإنتاج النفط. فلقد نص قانون النفط الأولي الصادر عن الحكومة العراقية في عام 2007 على اتفاقيات المشاركة في الإنتاج وهو أمر كان مجهولا بالنسبة لأعضاء أوبك في الشرق الأوسط، نظرا لطول العقود ومنح حقوق ملكية كبيرة لصالح شركات النفط العالمية، الامر الذي لاقى معارضة من مختلف الأطراف. وبالتالي فأن أي مراجعة أو أعادة نظر مستقبلية لهذا القانون سيتحتم البت بهذه الامور كافة وكذلك التطرق الى آثارها على كافة المتأثرين. لقد أصبح تفسير وتنفيذ هذا القانون مصدرا للتوتر وخاصة بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان. ومع ذلك، تتوفر على المدى البعيد علاقة منفعة متبادلة ومربحة بالامكان استغلالها من قبل جميع الأطراف. – والمقصود في هذه الحالة حكومة إقليم كردستان التي ينبغي أن يسمح لها بتصدير نفطها والحصول على حصة مناسبة من عائدات النفط الاتحادية العراقية. ففي نهاية المطاف، فأن من شأن تدفق شركات النفط العالمية أن يسهل التقدم نحو مزيد من المرونة والثقة والمسؤولية.

العراق اليوم بحاجة الى ان ينظر الى تاريخ أهم صناعاته المبشرة بإمكاناتها المستقبلية. وعلى الرغم من سنوات الاستعمار والانتفاضات والدكتاتورية والعقوبات والحرب لازلنا نجد بعض العزاء فبغض النظر عمن يتسنم منصب المسؤولية سيستمر النفط بالتدفق على الدوام.

______________

المصادر:

– شركة النفط الوطنية العراقية

– وزارة الطاقة العراقية

– شركة النفط العراقية

– وزارة الطاقة في حكومة إقليم كردستان

– أوبك

– منظمة تقييم الاثر البيئي EIA المنظمة العالمية للطاقة IAE

Leave a Reply

Translate »