أطفال الجسر

أطفال الجسر

نور حامد

نور حامد

بقلم: نور حامد

حصلت على وظيفتي الحالية منذ عامين. ولكي أصل إلى مكان عملي لابد لي من اجتياز الجسر نفسه كل يوم والذي دائما ما يكون مكتظا من شدة الزحام. يتطلب عبور هذا الجسر نحو ساعتين في بعض الأحيان. وأثناء الانتظار الطويل هذا أشيح بنظري نحو أشجار النخيل الجميلة الباسقة التي تزين بفخر أحد جانبي الجسر لتذكرني بجمال وسحر مدينتي الحبيبة بغداد. لكنني أرى مشهدا مغايرا حينما أنتقل بنظري الى الجانب الآخر من الجسر. مشهد يجسد الحزن الذي طاب له المقام في بغداد ولطالما علق بذاكرتي. على ذلك الجانب من الجسر يتجه نظري وكياني على نحو لا يخلو من الشفقة الى صبي صغير يبيع الشاي للركاب الذين ينتظرون بفارغ الصبر بدء سير السيارات.

يختلف هذا الصبي عن أقرانه من الاطفال الذين أراهم في شوارع بغداد. فهو هادئ ومهذب وذو عينين جميلتين ووجه ملائكي على الرغم من الحزن الشديد الذي يعتريه. فهو لا يتحدث إلى الأطفال الآخرين. وفي كل يوم أراه يركض من سيارة الى أخرى عله يجد من يشتري منه كوبا من الشاي. وفي إحدى المرات استدعاه رجل كان يجلس في سيارته على مسافة ليست بالقريبة. مما حذى بالصبي أن يركض بأسرع ما أوتي من قوة للحاق بتلك السيارة ولكن للأسف بدأت السيارات بالتحرك ولم يكن بمقدوره الوصول الى المشتري وإتمام عملية البيع. لقد أنفطر قلبي من شدة الاسف عليه.

اليوم وعلى الرغم من مرور سنتين فقط أتطلع بغرابة الى الصبي نفسه وقد كبر بسرعة مدهشة.  فعلى مدى الأربعة وعشرين شهرا الماضية رأيت كيف تحول من طفل بريء إلى شاب ذو وجه منهك لفحته الشمس وتركت فيه آثارها بلا رحمة. أنظر أليه وهو يشاهد السيارات  تبتعد عنه وأكاد أسمع صوت همسه يرن في رأسي وهو يقول: “الجميع يتحرك بعيدا عن هذا الجسر إلا أنا”.

اطفال الجسر

اطفال الجسر

ظهر طفل جديد على الجسر وهي فتاة صغيرة جميلة. كانت أصغر سنا من الصبي عندما بدأت باجتياز الجسر قبل ستة شهور. وكما كان الحال مع الصبي، أرى الصغيرة وهي تركض من سيارة الى أخرى كل صباح وهي تحاول بيع علب المناديل الورقية. أدرك في قرارة نفسي بأن هذه الجميلة الصغيرة ستتحول الى مخلوق آخر كما حدث للصبي قبلها وسيكون علي أن أراقبها تبيع على هذا الجسر حتى تسفع الشمس وجهها ليفقد ملامحه البريئة هو الاخر.

أتسائل كل صباح لما عليهم أن يعانوا؟ لماذا هم بالذات وليس أشخاص غيرهم؟ أعي من صميم قلبي كيف يمكن للأدوار أن تنعكس بسهولة.وكيف كنت سأشعر فيما لو كنت أنا من يبيع علب المناديل الورقية تلك وتراقبني فتاة أخرى من سيارتها بشئ من الشفقة وهي في محيطها الآمن والمكيف بالهواء البارد؟

يعتصرني الألم كلما أشاهد هذا المنظر على الجسر يوميا. فإذا كان مصيرهم يؤلمني للدرجة التي تجعلني أكتب عنهم فما بالك بالعيش في ظل ظروف  طاحنة كهذه وبشكل يومي؟ يخيل ألي كما لو أن حياتهم هي نوع من العقاب ولكن أية جريمة هذه التي اقترفوها ليستحقوا عقابا كهذا؟ فمن المؤكد بأنه ليس خطأهم – ونحن كمجتمع بالمقابل فشلنا في توفير الرعاية لهم ولذا يتحتم علينا تحمل عبء الشعور بالذنب. لعله محض من سوء الحظ أن نولد في بلد يعد البقاء فيه على قيد الحياة امتيازا في بعض الاحيان. بلد لطالما تحولت فيه حقوق مثل الحصول على التعليم والتنعم بحياة ملؤها الاستقرار والأمان إلى نوع من أنواع الرفاهية.

أكتب اليوم لأتقاسم هذا العبء معكم. لا أتحمل رؤية حياتهم القاسية دون محاولة فعل شيء حيال ذلك حتى لو كان مجرد نشرالوعي. فلو كان بمقدورنا أن نفهم لما اضطروا إلى ترك المدرسة والتوجه الى العمل  قد يكون باستطاعتنا أن نجنب الآخرين غيرهم من أن يعيشوا المصير نفسه. لا أستطيع أن أفعل ذلك بمفردي. فلأجل إحداث تغيير حقيقي في حياة هؤلاء الأطفال نحتاج إلى تحشيد وتنظيم جهودنا لان مسؤولية الامر تقع على عاتق الجميع: الحكومة والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وعلينا نحن كأفراد على حد سواء. ولربما استطعنا تشكيل حركة تحت أسم #أطفال الجسر #theBridgeChildren؟

هذه ليست بالمهمة اليسيرة. وأنا أعلم أن البلاد لديها أولويات أخرى للتركيز عليها كالحرب ضد الإرهاب التي نخوضها اليوم. لكن هؤلاء الأطفال ركائز مستقبلنا ويمكن أن يكونوا مهندسين أو أطباء أو محامين – أي بناة للأمة جنبا الى جنب معنا. أما إذا واصلنا القيام بالشئ ذاته وهو المراقبة عن بعد  أو بالأحرى ألا نحرك ساكنا فسيتحول هؤلاء الاطفال الى إرهابيين في المستقبل أو رجال عصابات وآباء وأمهات لأطفال جدد يبيعون الشاي والمناديل الورقية على الجسر.

 في المرة القادمة، عندما تعبرون الجسر أو حين تتوقفون عند إشارة مرورية، أسألكم أن تشاهدوا هؤلاء الأطفال. أنظروا أليهم بأعينكم وقلوبكم. وكونوا رحماء وابحثوا عن السبل التي يمكن أن تساعدهم.  أن تقديم زجاجة من المياه الباردة في صيف يوم حار كفيلة بمنحهم شعورا بالأمل بالمستقبل.  وذلك ببساطة لأن شخصا ما قد أهتم بشكل كاف ليمد يد المساعدة اليهم.

تعليق المحرر: إذا كنت ترغب في المشاركة بقصص عن أطفال مماثلين، فالرجاء التواصل عبر هذا المنتدى. فيمكننا أن نجد الوسيلة لاحداث التغيير معا. شاركنا ذلك عبر إستخدام تويتر والرابط   theBridgeChildren#   لنشر الوعي على نطاق أوسع.

Leave a Reply

Translate »