تعريف علاقات الصداقة في عالم شبكات التواصل الاجتماعية

تعريف علاقات الصداقة في عالم شبكات التواصل الاجتماعية

بقلم: كريمة هميمسا

Karima writing for nina-iraq

كريمة هميمسا

شهدت الكيفية التي نتواصل بها مع بعضنا البعض تغييرا ملحوظا خلال العقدين الماضيين. وخلال السعي لتحقيق التفرد ابتعدنا عن التقاليد التي رسخت أسلوب أنشاء الصداقات التي عشناها لأجيال عديدة. فلقد تبنينا أسلوب للحياة تميز باتساع حيز الحرية الشخصية أكثر من أي وقت مضى. لكننا دفعنا ثمنا لذلك بالمقابل، فبتنوع التفاعل الاجتماعي الذي يجري عبر الإنترنت وتطوير العلاقات وانتقاء  الأوساط الاجتماعية المفضلة لدينا تطلّب تعلم مهارات جديدة. فلم تعد العلاقات الاجتماعية الشخصية ناتجة من مجتمع مترابط  كالأسرة مثلا ذلك لان علاقاتنا تعتمد على مدى قدرتنا على تحديد هويتنا للعالم الخارجي والحفاظ عليها. لقد أدركنا ومنذ فترة طويلة أهمية استخدام أدوات الشبكات الاجتماعية والتجارية. ولكن هل بدأت هذه الأدوات والمهارات اللازمة لتبادلها تؤثر على  بناء علاقات شخصية أساسية كذلك؟

دعونا نستكشف بعض الحقائق حول الصداقة: يبلغ متوسط عدد أصدقاء الفرد الواحد 3,5، وان نسبة 42٪ من أصدقائك يحتمل ان يسكنوا داخل دائرة نصف قطرها ثلاثة كيلومترات عن منزلك. وهناك نسبة 15٪ من الناس من يذهب للقول بأنه ليس لديهم أي أصدقاء. الحقيقة الاخرى هي وجود تشابه بين أصدقائك، فنصفهم تقريبا يمتلكون مستوى مماثل لك في التعليم وثلاثة ارباعهم هم من ذات الجنس. (ملاحظة: لم يدرج ألأصدقاء الذين تم أكتسابهم عن طريق الفيسبوك في هذه الدراسات). أن الاصدقاء مهمين ذلك لأنك تتحدث معهم في اكثر الامور شخصية بالاضافة الى الامور المتعلقة بحياتك. وبعكس الحال مع العائلة أو الجيران فأنك تكتسب الاصدقاء ذاتيا لأنك تقوم باختيارهم وهم يمثلون جزءا من هويتك الشخصية.

فما هي المهارات الواجب توفرها لدينا لإنجاح مثل تلك العلاقات المهمة؟ من أجل أن يكون لنا أصدقاء، ينبغي ان نكون نحن أصدقاء للآخرين. علينا أن نكون قادرين على التواصل مع الاخرين وأن نحترس لتأثير سلوكنا على الاخرين أي ان نمتلك القدرة على اتخاذ زمام المبادرة وإمتلاك الثقة الكافية لاقامة الحدود. فالتعاطف هو من الامور المهمة إلا ان المعاملة بالمثل والتقدير والثقة كلها يمكن أن تنشأ من خلال تطوير مهارات التواصل. وفي الوقت الحاضر تتوفر الفرص لتطوير المهارات لاستخدامها عبر الانترنت بطبيعة الحال. ومن خلال ارتباط مهارات حياتية هامة مع مهارات أخرى تتعلق عادة بالممارسات التجارية السليمة عبر شبكة الانترنت وخارجها، أصبح بالامكان تعزيز سمعة المستخدم المهنية من خلال تلك الممارسات.

منذ حوالي 2000 سنة، اعتاد الناس على التجمع معا للتسامر حول نيران المخيم وبذلك يصبحون أصدقاء (أو لا يصبحون) ويتم تقاسم القصص والطقوس خلال تلك الجلسات مع بقية المجموعة. كما يتقاسمون المعرفة والخبرات مع بعضهم البعض. تقول جون كوهين (المنتجة المنفذة في شبكة  TED للاعلام  ومؤتمر TED لعام 2011) وأحد نشاطاتها كان “وسائل الإعلام في هذا العصر”  ووسائل الاعلام الاجتماعية، ان “الإعلام هو التواصل الذي يصل بين الناس، وينضم اليه الجميع في نهاية المطاف”. وقد كان لجون الفضل في وضع مؤتمر TED على شبكة الانترنت وتنامي جمهوره من 1000 مشاهد  إلى 150 مليون مشاهد في جميع أنحاء العالم. وفي عام 2006، أطلقت سلسلة الاحاديث TEDTalks على شبكة الانترنت. وتمثل نقاشات TEDTalks  بالطبع ظاهرة إيجابية في عالمنا الرقمي.

ولكننا نغفل وجود الجانب السلبي ايضا. فبالنسبة لمرحلة المراهقين من الشباب في وقتنا الحالي، لم تعد الشعبية تحدد بحوزتك لأخر نسخة من لعبة التماغوشي الالكترونية أو بمدى تفوقك بالألعاب الرياضية كما كان الحال في السابق. فبدلا من ذلك أصبحت حالة الفرد ومدى تقبله من قبل الاخرين تعتمد على عدد “الاصدقاء” الذين يعرضهم على شبكات التواصل الاجتماعي (والعدد بالطبع يتغير بأستمرار). وبالنسبة لجيل الالفية هذا فيمكن  لشعور مثل “عدم المشاركة في نشاط معين ” ان يتحول الى ” عدم الانتماء ” وهذا من شأنه ان يولد ضغطا للقيام بأي نشاط ليكون محط الانتباه أو أن يكون منتمباً. وفي أسوأ الحالات يمكن ان تجد بعض المواقع المسيئة او تلك التي تشجع على الانتحار طريقها الى الكثير من الشباب للانخراط بتلك المنتديات لا لشئ فقط ليكونوا جزءا من نشاط ما. وتعد مثل تلك الانواع من شبكات التواصل الاجتماعية متطرفة. ففي معظم الاحيان يكون بمقدورنا التواصل عبر شبكات ذات نتائج أيجابية  أكثر.

يعد التواصل واحدا من أهم السبل التي ينبغي إتقانها لتحقيق النجاح. ويوفر العالم الرقمي أواصر لم يسبق لوجودها مثيل. يقول تشارلز دي رافلو في كتابه “تواصل نحو النجاح” بأن البشر بطبيعتهم يتواصلون بالفطرة – بدءا من مرحلة الطفولة المبكرة. فكيف يحدث هذا في واقع الحياة وفي واقع بيئتنا في القرن الواحد والعشرين؟

يقترح رافلو بأن المفتاح لهذا التواصل هو تحديد المصالح المتبادلة مع الناس الذين تربطك معهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة. أي أن كل شئ يبدأ من منطلق الأخذ والعطاء وايجاد القواسم المشتركة. سيكون الامر غاية في الروعة لو تحقق الامر وجها لوجه – ولكن استخدام الإنترنت والمنابر الاجتماعية المصاحبة كمصدر للتواصل يمكن أن يولد فرصا لم يسبق لها مثيل.

يعد الفيسبوك  إلى حد كبير الشبكة الاجتماعية الأكثر شيوعا في الدول العربية التي شملتها الدراسة، مع وجود 94 في المئة من مستخدمي الشبكة العالمية كناشطين بأستخدام هذه الشبكة. ووجد أكثر من نصف مستخدمي الشبكة الاجتماعية في العينة التي وضعت تحت الدراسة تنشط على تويتر، و 46 في المئة منها من يستخدم غوغل وحوالي واحد من سبعة تنشط بأستخدام إينستاجرام. 6 في المئة  فقط من مواقع التواصل الاجتماعي تستخدم شبكة لينكدين – ما يجعل الامر بديهيا نظرا للمتعارف عليه في بلداننا العربية عند التعارف المهني الذي غالبا من يرافقه قدح من الشاي والمصافحات بالأيدي.

في قطر والإمارات العربية المتحدة،  يشكل مستخدمو الفيسبوك  أكثر من نصف عدد السكان. ويشهد كلا من العراق وسوريا وليبيا معدلات نمو أستخدام مرتفعة. أنخفضت النسبة المئوية لمستخدمي الفيسبوك الإناث قليلا من 33،4 الى 31،7٪، في حين ارتفعت قليلا نسبة المستخدمين ممن هم فوق سن ال 30 ، وهو نسب النمو  في دول الخليج الستة ولبنان.

قيل سابقا بأنه إن لم يكن لديك مجموعة من الأصدقاء الذين يمكنك مشاركتهم نجاحك وافراحك واتراحك لكنت ممن أضاعوا جانبا كبيرا جدا ومهما في حياتك. إن المهارات التي نحتاجها لانشاء العلاقات والحفاظ عليها سواء كانت تلك الشخصية أو المهنية لم تتغير كثيرا. فبمجرد نقل تلك العلاقات على الشبكات الرقمية  أصبح بمقدورنا التواصل مع مجموعة أوسع بكثير وخلق اواصر لم يكن بالمقدور تكوينها قبل بضعة أجيال مضت. كلما أستطعت التواصل مع المزيد من الناس برسالة موجزة تعرف عن شخصك وعن أهتماماتك فمن المرجح ان يقودك ذلك الى إنشاء العديد من العلاقات الايجابية.

على الرغم من أن حدود التفاعل الاجتماعي أصبحت ضبابية في العديد من مستويات التعارف، يبقى هناك شيء واحد واضح: يحمل التواصل برسالة عبر تطبيق ال WhatsApp معنى معين أما الاحساس بأن متلقي الرسالة على الجانب الاخر سوف يسارع دائما الى طرق بابك ليقوم بتجفيف دموعك أو ليضع ذراعه حول كتفك أو ليضحك معك من شدة الفرح حين يحدث أمر إيجابي في حياتك يحمل معنى مغاير تماما. وبعبارة أخرى ينبغي ألا ننسى بأن الشخص على الطرف الآخر هو الذي يعطي الهدف والمعنى لاي تفاعل رقمي (ناهيك عن الضحك المبكي أو الضحك المؤلم). أنا بالتأكيد أعلم بأنني من دون “صديقاتي” سأكون شخصا تعيسا. لذا، أود أن أنهي حديثي هذا بمناداة أعز الأصدقاء: أنوك، آنبيث، ريتا، سارة، روز، يائيل وغولهان – هذه المقالة تكريما لكم.

إدراج:

مصدر: http://www.theatlantic.com/international/archive/2013/04/how-people-in-the-middle-east-actually-use-social-media/275246/

Leave a Reply