من على صواب؟ تساؤلات حول الأديان

من على صواب؟   تساؤلات حول الأديان

بقلم نور حامد

نور حامد

نور حامد

غالبا ما نتجادل في حياتنا اليومية حول أمور ساذجة مثل أفضل أنواع الطعام أو أجمل لون أو الطف قصة شعر للموسم وما شابه ذلك من الامور. أو أن نتجادل حول قضايا أكثر تعقيدا مثل الأزمة الاقتصادية التي حدثت عام 2008 أو عن سير المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. ونادرا ما تتفق آراؤنا بل لا يكاد يمر يوم واحد دون دخولنا في جدال حول من كان منا على صواب ومن كان منا مخطئا. ومهما يكن فعادة ما تنتهي هذه المجادلات بتسوية سلمية أو بمجرد الاتفاق على الاختلاف في الرأي وحسب. لكن للأسف ليس هذا واقع الحال دوما. فعندما يتعلق الامر بالدين لاحظت إصرار الناس على أن يكون هناك رأي واحد صائب فقط وأن يكون هذا الرأي هو رأيهم هم بالطبع. فحينما يتعلق الامر بالدين، لا يمكننا أن نتفق على الاختلاف.

كمسلمة دائما ما أجد نفسي في مواقف أتعرض فيها الى الاستجواب حول ديني. وتجعلني هذه المواقف اشعر بضرورة الدفاع عنه وشرح وجهة نظري حول العديد من اعمال العنف التي ترتكب باسم الاسلام حول العالم. وفي كثير من الاحيان أجد نفسي محاطة بأناس كانوا قد جمعوا كل ما يمكنهم من معلومات فقط لكي يثبتوا أني على خطئ بغض النظر عما لدي لاقوله. ! حسنا، لا أحاول الكتابة دفاعا عن ديني اليوم.

لست حائزة على شهادة للدكتوراه في الدراسات الإسلامية ولم أقرأ كافة الكتب التي تتحدث عن الاسلام وبالتالي لن أستطيع إثبات أو دحض أي من المعلومات التي قد تعرفونها سلفا. كما وأدرك بأني لن أكون قادرة على تغيير وجهات نظركم حول العديد من الامور التي تعتقدون جازمين بصحتها. وبما أنه ليس في نيتي فعل أي من ذلك، فلا بأس بهذا في اعتقادي.

وعوضا عن ذلك أود أن أتقاسم وأياكم تجربتي الشخصية عن العنف القائم على أساس الدين. لقد فقدت والدي، واثنين من أعمامي، وثلاثة أبناء عمومة، والعديد من الأصدقاء. واليوم أرى أبناء وطني ونسائه يذبحون كل يوم من قبل متوحشين جهلة وكل ذلك يحدث باسم الدين. كما وتعرضت لثلاث سنوات للتمييز المذهبي لمجرد أن أسمي كان ينتهي بما يوحي لانتمائي الى مذهب معين. ولقد أجبرت على ترك منزلي قسرا لثلاث سنوات لأنني لم أكن أنتمي الى المذهب الصحيح. وبعد هذا كله ألا زلت أدين للعالم تفسيرا عن ديني؟

لقد خضت في العديد من المجادلات حول الدين، ولا أتذكر انتهاء أي واحد منها بتغيير في الرأي أو الموقف. فلقد أصبحت مدركة وللأسف بأننا لا نتجادل لكي نتعلم لكننا نتجادل حتى نثبت للآخر بأنه على باطل.

وهنا لا يسعني إلا التساؤل: عندما يتعلق الأمر بالدين هل يمكننا جميعا ألا نكون على صواب؟ أو على الاصلح، أمن المهم أن نعرف أي طرف منا على صواب؟

ألن يكون الامر رائعا لو توقفنا عن الجدال وأستعضنا به بمعاملة بعضنا البعض كبشر بغض النظرعن الدين أو المذهب؟

كلما تجادلنا أكثر حول من منا على صواب ومن منا على باطل وكلما ألقينا اللوم على الارهابيين وأعمالهم بسبب دين أو مذهب معين، كلما تشجع المتطرفين من كافة الاديان أكثر وأزداد وقود حروبهم.

أني أكتب اليوم للدفاع عن أولئك الذين يعانون من إلارهاب بجميع أشكاله. أولئك الذين لا تتوفر لديهم الوسيلة لإسماع صوتهم للعالم أجمع. يوجد اليوم 2.5 مليون نازح داخليا يعيشون في ظروف بائسة في مخيمات لللاجئين في جميع أنحاء العراق، عاشوا خارج بيوتهم طوال عام كامل حتى الان ولا يلوح لهم الافق بنهاية لبؤسهم.

وما يزيد الطين بلة ما حدث في العام الماضي. فلقد تعرض  العراق لا بل والإنسانية جمعاء الى فقدان جزءا كبيرا من حضارتها. فلقد عمد تنظيم داعش الارهابي مطارقه الثقيلة ودمر الجدران الاثرية والتماثيل في مدينة الحضر. وهدم  هؤلاء البلطجية المساجد التاريخية والكنائس وأحرقوا أكثر من مائة ألف من المخطوطات والوثائق النادرة التي تمتد لقرون من التعلم الإنساني. ليس هناك من دين أو أيديولوجية لتبرير مثل هذه الفظائع. وعليه فأن إلقاء اللوم على بعضنا البعض لن يقضي على التطرف ولن يضع له حدا بل على العكس فإنه سيقوي شوكته. ومحاولة أثبات أي طرف منا على صواب وأي منا على باطل لن يجدي بالنفع بل سيذكي نيران الكراهية والتمييز.

كتب الشاعر والكاتب اللبناني الشهير جبران خليل جبران ذات مرة في كتابه “النبي”:

  ” أحبك عندما تنحني إجلالا واكبارا في مسجدك، وعندما تركع على ركبتيك في معبدك، وعندما تصلي في كنيستك. فما أنت وما أنا إلا أبناء دين واحد وهذه هي روح الايمان”

ومن هذا المنطلق نتوحد جميعا لان هذا هو القاسم المشترك في إنسانيتنا. فعندما يتعلق الأمر بالدين، ليس المهم من هو على صواب بل المهم أن نضع الامور في نصابها الصحيح. وبهذه الطريقة يمكننا معا خلق عالم يوفر لنا جميعا ملاذا للسلام والأمان.

Leave a Reply

Translate »