كل ما تحتاج اليه هو…

… أو كيف يمكن للتوقعات غير الواقعية أن تؤدي إلى علاقات متأزمة

كريمة

بقلم: كريمة هميمسا

كيف يمكن للتوقعات غير الواقعية أن تؤدي إلى علاقات متأزمة. من منا لا يتذكر الفيلم العربي “أفواه وأرانب”؟ التحفة السينمائية التي تعد من روائع الافلام الكلاسيكية العربية. شاهدت هذا الفيلم عام 1977 حينما كنت شابة في مقتبل العمر. الفيلم كان من بطولة فاتن حمامة والتي كانت ببساطة في قمه تألقها. وعلى الرغم من ان وقائع الفيلم كانت درامية إلا أن شخوص الفيلم لم تفقد انسانيتها وبالتالي اتصالها بالواقع، ناهيك عن قصة الحب التي عاشتها الشخصية الرئيسية “نعمت” (فاتن حمامة) التي كانت تناضل من أجل الزواج بالرجل الذي وقعت في حبه، وتغلّبها في النهاية على جميع الصعاب والمآسي لتعيش مع حبها في سعادة دائمة.

“الحب هو كل ما تحتاج اليه”..ذلك ما أكدته احدى أغاني فرقة الروك البريطانية الشهيرة “البيتلز” في ستينيات القرن المنصرم. ومع ذلك، فقد أظهرت الأبحاث في عصرنا هذا بان المساواة والقدرة على التكيف والمصداقية فيما يتعلق بنجاح العلاقة بين الرجل والمرأة تعد من الاسباب الرئيسية لديمومتها. في الظاهر نحن نعيش في اجواء ثقافة رومانسية يمثل فيها الحب والعاطفة المفتاح لعلاقة مثالية.

إلا أن الارقام الاحصائية المؤلمة هي المحك في هذا الصدد: فغالباً ما ينفصل بالطلاق ما يقدّر بربع الأزواج قبل ان يفرقهم الموت.

لكن ما الذي يجعل الامور تسير على نحوٍ خاطئ؟ أهو بسبب أن الكثير من الناس غير قادرين او مستعدين لتلبية الاحتياجات التي تتطلبها العلاقة المشتركة؟ أم لعل ما يشار اليه بـ “الزوجين” في ثقافتنا الاستهلاكية والفردية اليوم ليس هو من كان متعارف عليه في الماضي.

الشيء الوحيد والمؤكد، هو ان العديد من الزيجات لا تتكلل بالنجاح. أما المشاكل النموذجية التي يشتمل عليها عدم نجاحها فهي الخيانة الزوجية، الملل أو المصاعب المالية. ومما يؤسف له أن العنف المنزلي يزداد انتشارا هو الآخر حيث تفوق أرقامه الاحصائية عوامل الفشل الأخرى مثل الفوارق الطبقية والثقافية والتقاليد والحدود الجغرافية – وعلى الرغم من الاختلاف الواضح في الارقام الاحصائية من منطقة إلى أخرى، لا تزال أوجه التشابه الرئيسية هي ذاتها. فحيثما كانت البطالة مرتفعة، تهبط مستويات حقوق المرأة (سواء أكانت ثقافية أو قانونية) الى ادنى مستوى لها، الامر الذي يحد ويقلص من قدرة المرأة على المساهمة اقتصاديا، وهناك العديد من المآسي الفردية ما يكفي لتشكيل صورة أشمل للانهيار الاجتماعي. باتت هذه المشكلة في يومنا هذا واضحة للعيان وتم الاعتراف بها من قبل هيئة الأمم المتحدة، التي تقوم على وجه التحديد بتدريب المسؤولين عن الصحة في أروقتها للتعرف على علامات العنف المنزلي ضد النساء بصورة مبكرة، وتمكينهم من الاستجابة لاحتياجات ضحايا العنف بسرعة أكبر، بما في ذلك الاستجابة للصدمات النفسية.

تعد دول جنوب وجنوب شرق آسيا من المناطق التي تشهد أعلى معدلات العنف الأسري، حيث تصل نسبته الى 37.7٪. أما بالنسبة للعالم العربي وأفريقيا فنسبة العنف ضد النساء فيها تكاد لا تعد بأفضل من سابقتها فهي تشكل 37٪. أما في أمريكا اللاتينية، فتصل الى 30٪، بينما في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى تواجه ربع النساء تقريبا نصيبا لا يستهان به من العنف. وفي أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان وأوقيانوسيا تشكل نسبة العنف ضد المرأة 23٪.

لا تزال المرأة العراقية تواجه حالات واسعة النطاق من العنف القائم ضدها، فبناءً على المعلومات المقدمة من عدد من المصادر الحكومية وغير الحكومية لبعثة الأمم المتحدة اليونامي (تقرير عن حقوق الإنسان في العراق)، تشمل الأشكال الرئيسية للعنف ضد النساء والفتيات، التي لا تقتصر على الأذى الجسدي والقتل العمد المسمى بجرائم الشرف بل تتعداها الى الاتجار بالنساء، والزواج المبكر، وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث. حيث تعاني واحدة من كل خمس نساء (اي نسبة 21٪) من اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15- 49 من العنف الجسدي على أيدي أزواجهن، كما تعاني نسبة 33٪ من العنف النفسي، ونسبة 83٪ منهن يتعرضن إلى السيطرة على السلوك او القمع من قبل أزواجهن. تنشأ العديد من القضايا المتعلقة بانتهاك حقوق المرأة من التقاليد الثقافية الراسخة والممارسات الاجتماعية. فقد أجري استطلاع على الشباب العراقيين يظهر ان 68٪ منهم يؤمنون بقبول مبدأ قتل الفتاة لتطاولها على شرف العائلة، بينما يعتقد 50٪ منهم بأن ضرب الزوجة هو أمر مقبول. بينما شخّص الشباب الذكور والاناث منهم على حد سواء نسب تأثير كل من تثتتتبأن التنشئة الأسرية (40٪) والدين (37٪) والقانون (35٪) على انها تشكل العوامل الرئيسية التي من شأنها أن تساعد على الحد والقضاء على العنف ضد المرأة، أكثر بكثير مما لو استخدمت وسائل الاعلام والتي حددوا تأثيرها بنسبة (6٪) وتأثير المدارس بنسبة (3٪).

محال أنكم لم تسمعوا بقصة “الفستان” التي عصفت بالمواقع الاجتماعية عبر الشبكة العالمية ووسائل الاعلام وعناوين الصحف في الاخبار في محاولة منها لمعرفة ما اذا كانت ألوانه تتكون من الأبيض والذهبي أم الأسود والأزرق؟ على الرغم من أن عاصفة الفستان تلك قد مضت، إلا انني أرغب بإحياء عاصفة مماثلة جديدة تتعلق بموضوع مختلف، حيث أجرى “جيش الخلاص” في جنوب أفريقيا أكثر الحملات الإعلانية قوة وبراعة:

إعلان من جنوب افريقيا يستخدم “الفستان” كعنصر لإبراز قضية العنف الأسري

مصدر الصورة:  Ireland Davenport, South Africa

ففي كينيا، يعد الاستقلال المادي للمرأة واحدا من أسباب الخلافات الزوجية، وفقا لمجموعة “ماينديليو ياواناومي” أو (التنمية للرجال). حيث تشجع المنظمة الكينية هذه الرجال للاضراب احتجاجا على إلاساءة المتزايدة ضدهم. حيث يشجع الرجال على عدم لمس الطعام المعد من قبل زوجاتهم باعتباره احتجاجا. هذا بالطبع لا يعد عنفاً، أنما علامة تدل على التقاليد الثقافية والحاجة المادية التي تشجع على احتدام الصراعات المحلية.

ووفقا لتقرير منظمة الامم المتحدة (المصدر)، فأن الحاجة الى الوقاية والتثقيف تزداد باستمرار. ويتحتم علينا خلق الوعي حول تأثير الصراع الداخلي فضلا عن العنف بأشكاله، وإعطاء فرصة الاستماع الى صوت الضحايا. لكن بطبيعة الحال فان التعاون بين الطرفين لإصلاح العلاقة –حيثما أمكن- لمنع أي صراع لهو أفضل دائما من تدخل طرف خارجي. لقد وجدتُ هذه المؤشرات وودت مشاركتها معكم للوقوف على ما يخلق علاقة زوجية طيبة، واعتقد بانها ستكون ذات فائدة:

  1. معرفة الذات

      معرفة نفسك والتعرف على الخصائص والصفات التي تجدها في الطرف الآخر.

  1. المعرفة بالآخرين

      معرفة ما تحب ان تبحث عنه في الشريك، ولكن أيضا أن تكون قادرا على التعرف على تلك الصفات في الشخص المقابل.

  1. الذهنية المماثلة

      تنشأ العلاقة الجيدة والوطيدة عندما تتطابق الأهداف الفردية والجماعية في الحياة.

  1. التكافؤ

      ينبغي عدم الخلط بين التكافؤ وبين المساواة العامة. ما يهم هو أن يوزع الشركاء او الازواج مهامهم بشكل يمنح الطرفين شعور بالرضى والاهمية والتقدير.

  1. التعاطف

      للعيش بشكل مريح مع الشريك، فمن الضروري معرفة ما يشعر به كل منهما في ظروف مختلفة.

  1. المهارات الاجتماعية

      طرق المحادثة المرنة، ومهارات الاستماع وحل النزاعات سلميا.

  1. التكيف

      تعلم العيش والتأقلم مع نزوات المقابل.

  1. المصداقية

      على الشركاء توخي الحذر عند الالتزام بالوعود وان يلتزموا بالوعود القابلة للتنفيذ فقط.

  1. الفطنة

      تقييم وحل المشاكل التي تطرأ على العلاقة بكفاءة. ذلك لان الاشخاص الذين يتمتعون بمهارات قوية لحل النزاعات هم بالتأكيد أكثر قدرة على الالتفاف حول العديد من المنحدرات التي قد تعيق طريق أي علاقة مشتركة.

       10. تحقيق الرضا في العلاقة الجنسية

      ان الحياة الجنسية ضرورية لتلبية احتياجات كلا الطرفين ليس فقط خلال الأشهر القليلة الأولى من نشوء العلاقة وانما ان يدوم الى الأبد على اساس التفاهم والاحترام المتبادل.

 وبالعودة الى فيلم “افواه وارانب” – الذي يمثل قصة خيالية نستخلص منها عبرة مفادها انه يمكن لأي شخصين أن يعملا معا لخلق السعادة المتبادلة من وحي الأهداف والمثابرة على تحقيقها معا. تحية اجلال وتقدير الى مخرج الفيلم الذي ترك لنا التحفة السينمائية : هنري بركات، وكاتب السيناريو سمير عبد العظيم.

وختاماً: وفي رأيي …ليس هناك ما يسمى بالحب المثالي، فنحن بحاجة إلى خلق الوعي بين النساء وايجاد المحفزات لتمكينهن. فالحب هو فعل وعمل قيد التنفيذ.

Leave a Reply

Translate »