كيف قادتني نصيحة جارتي نحو النجاح

كويستان زنكنة

كويستان زنكنة

 

بقلم: كويستان زنكنة

كان قد مضى نحو أربعة عشر عاماً منذ تركي للدراسة. ومثل الكثير من النساء فلقد أمضيت معظم تلك السنوات في تربية أطفالي والاهتمام بزوجي. وعلى الرغم من ذلك فبدون امتلاك وسيلة حقيقية للحصول على المال، إما عن طريق الادخار أو عن طريق مدخول شهري، كنت أدرك بشكل متزايد الواقع الذي فرضته علي ظروفي المادية. فعلى الرغم من وجود العديد من المنظمات التي تقدم الوظائف، ولا سيما في إقليم كردستان، إلا انني لم أكن أظن ولو للحظة بأنني قد أكون مناسبة للتقديم لأية وظيفة. على غرار العديد من النساء من جيلي، كنت قد أكملت إثني عشر عاما من التعليم حصلت خلالها على الشهادة الثانوية العامة ولكن الامر يبدو وكأنه قد مضى عليه دهراً من الزمان – فلم أكن حينها الشخص الذي اصبحت عليه اليوم. إلا خلال بعض الظروف كنت حينها لا أزال الشخص الذي أعهده بطبيعة الحال وكان ذلك قبل عام 2003 (عندما أطيح بنظام صدام وتحرر العراق) فلم أكن حينها زوجة ولا أماً!

ذات يوم، زارتني جارتني وهي سيدة مسنة في عقدها السابع. طرحت عليّ سؤالاً كان بمثابة صفعة على الوجه. سألتني فيما اذا كنت حاصلة على الشهادة الثانوية. شعرت بسؤالها هذا يوقظني من سباتٍ عميق، أجبتها بأنني أحمل ذلك التأهيل. وبكلمات أضاءت طريقي وقادتني نحو النجاح منذ ذلك الحين أجابتني السيدة المسنة قائلة: “اسمحي لي يا ابنتي أن اقدم لك هذه النصيحة، أرجو ان تعتبرينها نصيحة أم لابنتها. أن ما تتمتعين به الآن من الشباب وقوة التحمل لن يدوم طويلا. عليك ان تفكري في المستقبل وتحصلي على عمل. أن تكاليف العيش ترتفع بإستمرار وعليك ان تسعي بنفسك لاثبات قدرتك على توفير ما تحتاج اليه اسرتك لتنعم بالعيش الرغيد. ثم سردت لي قصتها حيث استهلتها بفقدانها لزوجها الذي قضى نحبه في الكفاح من اجل تحرير كردستان قبل 30 عاما. كان لها صبيان وكانت تعمل طوال النهار في تنظيف الحمامات العامة للنساء. ومقابل عملها كانت تحصل على الملابس التي يتبرع بها الآخرون مع بعض المال. وذات يوم، قدمت إليها أمرأة وتحدثت معها على انفراد لتقدم لها نصيحة كانت لها بمثابة كنز أثراها لبقية حياتها. تماماً كما فعلت هي معي في ذلك اليوم. نصحتها المرأة الغريبة قائلة بأن العمل الذي كانت تمتهنه لن يكون له شأن في المستقبل وانه لمن الأجدر ان تجد عملاً في القطاع العام. وكونها إمرأة متعقلة، عملت جارتي بالنصيحة وتوظفت كعاملة نظافة في وزارة الزراعة. وفيما كانت تسرد لي حكايتها ذكرت بأن الكثيرين كانوا قد سخروا منها ومن عملها الجديد. ومرة أخرى أخبرتني بأمرٍ سيبقى في ذاكرتي الى الأبد: “كنت احصل على معاشي بالدولار الامريكي، ولم أكن في حاجة الى أحد”.

لم أعمل بالنصيحة على الفور لأنني اعتقدت بأن تحقيق الاكتفاء الذاتي الذي وصفته لي تلك المرأة تكتنفه المشقة. ومع ذلك، لم تلق نصيحتها آذان صماء حيث تقدمت لطلب وظيفة في مدرسة بالقرب من منزلي ونجحت بالحصول عليها بعد ثلاثة أشهر. وبعد مرور عام قررت مواصلة دراستي والتحقت بكلية القانون الدولي في كلية القديس كليمنتس. استغرقني الأمر أربع سنوات لإكمال دراستي الجامعية. وكمتخرجة جامعية كان بمقدوري التقديم لطلب وظيفة – وبالتالي حصلت على وظيفة مدير المكتبة في جامعة السليمانية. وبينما تنامت ثقتي بنفسي، شعرت بداعي دخول الساحة السياسية فلبيت النداء وبدأت العمل لصالح حزب سياسي. الامر الذي أدى في نهاية المطاف الى قبولي لمنصب مرموق كنائب للرئيس. واليوم أنا عضو مهم في قيادة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

وبعد ذلك أكملت دراسة الماجستير في القانون في جامعة إلسا الدولية. أظنني أصبت بـ “داء التعليم” ذلك لانني الآن في مرحلة استكمال رسالة الدكتوراه في فلسفة القانون الدولي. ومؤخراً دفعني شغفي بالقانون الى تشكيل “منظمة العدالة الانتقالية” فعلى الرغم من كل العقبات ومصاعب الحياة، أتلقى أجراً جيداً مقابل القيام بما أحب، أنا محظوظة فعلاً.

الجيران الودودون والمخلصون عملة نادرة حقاً لا يملكها الكثيرون. فهم يقدمون النصح بما فيه صلاح الآخرين في وقت الشدائد كما فعلت جارتي معي يوماً. لذا، إن كنتم تعيشون حياة مماثلة كالتي كنت اعيشها متناسين ما تعنيه الحياة فيما وراء نطاق الاسرة والمنزل وما تستطيعون تحقيقه من انجازات على المستوى العملي، فأنا أخاطبكم من خلال مقالي هذا!

سأكون ممتنة دائما لجارتي المسنة. لقد وضعتني نصيحتها على الطريق الرائع الذي قادني الى الإنجازات والنجاحات التي أفخر بتحقيقها. ويحدوني الأمل في قصتي هذه ان تؤثر فيكم بنفس الطريقة التي أثرت فيّ.

كويستان زنكنة هي مديرة مكتبة جامعة إلسا الدولية، وعضو في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ورئيسة المنظمة الانتقالية للعدالة وطالبة تدرس لنيل شهادة الدكتوراه في فلسفة القانون الدولي.

Leave a Reply