الخيار الثالث

 نور حامد

نور حامد

بقلم:  نور حامد

الحياة هي جملة من الخيارات التي تتخذها لتشكيل نمط حياتك. ومن المفترض ان يكون قرارك العيش في وطنك الأم خياراً طبيعياً. ولكن حين يكون وطنك الأم هو العراق فالوضع مختلف الى حدٍ ما. في عراق مزقته الحروب فإن الوضع “الطبيعي” هو اقتناص الفرص لمغادرة البلاد حيث يسعى الآلاف من العراقيين للحصول على الاستقرار في بلدان الغرب عبر طلب اللجوء، وقد يحصلون على عملٍ هناك إن كان الحظ حليفهم. ومع ذلك فالبعض ممن أتيحت لهم فرصة المغادرة ذاتها رفضوا وآثروا البقاء في العراق ورعاية عوائلهم في “مهد الحضارة” إيماناً منهم بأن العيش في عراق ممزق أجدر من العيش في مكان آخر والبحث عن فرص افضل. وبالنسبة لهؤلاء الاشخاص، وانا منهم، فلا قيمة للحياة بدون تنفس نسيم العراق الصباحي العليل وتذوق السمك المسكوف وتمضية الليالي الرائعة على شواطئ نهر دجلة. والعديد من الامور الاخرى التي لا يمكن إيجادها في اي مكان آخر من العالم.

في ارجاء اخرى من العالم يقضي الشباب مرحلة العشرينات من حياتهم بالاستمتاع بالحياة والسفر واسكتشاف العالم من حولهم. وحينما كان بعضهم منهمك بأتخاذ القرار لحضور حفلة موسيقية ما او لإختيار مكان لقضاء عطلة نهاية الاسبوع أو لحضور مؤتمرٍ ما، كنا انا وأصدقائي وكل من أعرف منهمكين بمحاولة النجاة من الحرب والبقاء على قيد الحياة. فلقد امضينا أجمل سنوات عمرنا نترقب بخوف المكان والزمان الذي قد يحدث فيه الانفجار القادم وكيف نتجنب مخاطره. لقد امضينا حياتنا في إحصاء الجثث على قارعة الطريق ولعب لعبة الغميضة “الختيلان” مع القرع العشوائي المستمر للقناصة وهو يخترق لهونا البريء.

قد تتجاوز مثل تلك التجارب طاقة التحمل لدى البعض، لكنها جزء من هويتنا التي تشكّل شخصياتنا واسلوب حياتنا. فعلى المستوى الشخصي، أعتبر ترقّب العنف اليومي مع فظاعته جزءاً من أسلوب الحياة التي اخترتها. فالعراق هو وطني وهيهات ان أسمح للمتوحشين المتطرفين من اقتلاع جذوري. فلو أنني أنا -صاحبة الأرض- استسلمتُ فمن ذا الذي سيقاوم؟ فالكثير منا، نحن الشباب المثقفون نعي حتمية استمرارنا لنقل شعلة الأمل قـُـدُماً، ومن غيرُنا يناط بهذه المهمة؟ مع ذلك، بالنسبة للكثيرين منا، وعلى الرغم من حماسنا المطلق، يفرض واقع الحياة اليومية صراعاً داخلياً.

“ولكن، ماذا لو قتلت أو تعرضت لإعاقة جسدية؟ كيف سأكون مفيدة للعراق حينها؟”

ثم، “ألن أكون اكثر فائدة لو عشت خارج العراق، حيث أستطيع العيش والتعبير عن معاناة العراقيين في ذات الوقت؟”

بالنسبة للبعض فهذا هو الحد الفاصل. في لحظة صدقٍ أسرّت صديقة مقربة لي تعيش خارج العراق بقولها: “لقد غادرت العراق وأنا لست فخورةً بذلك، ولكن لم يكن لدي خيار آخر”.

بعد تلك المحادثة، كنت افكر بسؤال واحد فقط: ما هو الخيار الثالث؟ فليس لأناس امثالنا سوى خيارين لا ثالث لهما: إما ان نختار البقاء والمعاناة من دون تصوّر نهاية واقعية تلوح لنا في الأفق أو ان نغادر للبدء بحياة جديدة في مكان آخر. وعلى الرغم من ان ذلك المكان الجديد سيكون خالٍ من الانفجارات إلا انه سيخلو كذلك من الذكريات، ومن العائلة، والسمك المسكوف. وفي زمن الابتكارات البشرية العظيمة الذي نعيشه اليوم و”العالم الممتد” حيث افسحت الحواجز التقليدية الطريق الى مرور الفضاء الالكتروني بإنسيابية، وفي عالم يشيد بالمواطنة العالمية – أكاد لا استطيع ان اصدق بعدم وجود خيار ثالث! فلو كان المال يقود العالم الى التقدم، فهل من وسيلة تمكننا من سك طريقنا نحو الامام؟ من المؤكد أن لو كان التركيز الدولي والتجارة الدولية حاضران على ارض العراق فحتماً سيعم الخير ليطغى في نهاية المطاف على التعصب الأعمى الذي سبب كل تلك الفوضى.

لم أعثر على الخيار الثالث لحد الآن، ولكن بعد ان قرأت ذات مرة بأن “البكاء أو الضحك هما الخياران الوحيدان المتبقيان، أدركت الآن بأن الضحك هو خياري الافضل في الوقت الحالي” وسأظل مبتسمة على الأقل علّني أجد سبيلاً آخر في يومٍ ما.

تعليق المحرر: تلك هي نظرة شخصية متقدة وواقع حال الكثير من الشباب. لقد تأسست مجلة نينا لتساهم في ايجاد الخيار الثالث. فمن خلال تسليط الضوء على مجتمع مدني يشجع على إشراك المرأة واتاحة الفرص لها، نسلط الضوء على العراق كساحة مفتوحة للعمل ضمن المجتمع الدولي. ومن خلال إبراز الايجابيات التي ينبغي ان يقدمها العراق، بضمنها الشباب المتحمس والعازم على بناء عراق قوي ومستقر– توفر مجلة نينا منبراً للمشاركة وتبادل وجهات النظر والمناقشة حول الخيار ثالث. ومن هذا المنطلق نحث قراء مجلة نينا، أينما كانوا على المساهمة في هذا الحوار، من خلال تبادل المعرفة والتجربة الشخصية. دعونا نبحث معاً عن الوسيلة لإيجاد الخيار الثالث.

 

 

 

 

 

 

Leave a Reply

Translate »