حكراً على الرجل – لما علينا إغتنام الفرصة للاحتفاء بمكانة المرأة في مجال العلوم

 

بقلم كريمة هاميمسا

كريمة هاميمسا

كريمة هاميمسا

 

كشف آلبرت آينشتاين عن نظريته العامة والمعروفة بإسم النظرية النسبية قبل مئة عام. وتمر بنا الذكرى المئوية لتلك النظرية ومعادلتها الشهيرة برمزها E=mc^2 في عام 2015 بالتزامن مع الاحتفالية السابعة عشرة التي تقيمها دار لوريال التجميلية بالتعاون مع اليونيسكو: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة تحت شعار “For Women in Science” (النساء في مجال العلوم) والتي عقدت في 18 من شهر آذار، حيث تم خلال الاحتفالية التعريف بنخبة من النساء المتفوقات اللواتي سطّرن انجازاتهن في مجال العلوم. وأود هنا ان اشارك ببعض وجهات النظر مع مجلة نينا من حيث حاجة المرأة الى تجاوز نمطية الأدوار المتعلقة بها لغرض استثمار طاقاتها ولكي تتاح لها فرص العمل المعاصرة على كافة المستويات.

لقد كانت الجذوة التي أنارت تلك الافكار هي ندوة “النساء في مجال العلوم” التي حضرتها مؤخراً في لندن حيث ناقش الحضور العديد من المسائل كتلك المتعلقة بالاناقة بالاضافة الى اهمية العلوم والتنمية. كانت المناقشات جدية وحيوية وكنت منهمكة في خوضها مما دفعني الى الرجوع بذاكرتي الى دراستي للعلوم خلال مرحلة الثانوية وتساءلت مع نفسي: لماذا كنت اظن بأن دراسة العلوم الثلاثية هي علم يناسب الرجل فحسب؟

حينما نفكر بكلمة “علوم” يتبادر الى ذهننا وبطريقة لا ارادية صور رجال من أمثال نيوتن، لاغرانج، أينشتاين، هوكينغ وكوبر. وعندما يطلب منا تخيل صورة لأستاذ او عالم فأول صورة تتراءى الى ذهننا هي صورة رجل. وبالمقابل فعندما يطلب منا تخيل شخصية في مجال التمريض مثلاً، فمن المرجح بان أول صورة سيتخيلها ذهننا هو لأمرأة. لا يختلف اثنان في هذا المفهوم حتى وإن كنت ادرك جازمة بان المرأة الآن تعمل في كافة المجالات الوظيفية تقريبا ولكنني لا أنفك استدعي صورة المرأة غالباً مع الادب والثقافة وأي مجال أخر يتعلق بالانسان. وفي عموميات مثل هذه أدرك ايضا بأنني لست الوحيدة التي تفكر بهذه الطريقة حين يتعلق الامر بمجالات العمل المتاحة للجنسين. والسؤال الذي يجب طرحه هنا هو ما مدى تأثير مثل تلك القرائن على مستوى المدرسة؟ وهل لا تزال تؤثر في الخيارات الدراسية التي تتخذها الفتيات؟

تتمثل الأهمية الكبيرة للتعليم في أنه يبني المستقبل. وبصفتي أم لفتاة في السادسة عشرة من عمرها، أدرك تماماً بأن التعليم بالنسبة اليها هو بمثابة سلاح لاختيار الطريق الصائب نحو المستقبل. ان فائدة التعليم لا تشمل تطوير قابلية الفتيات فقط بل يساعد في بناء المجتمع ككل[1]. فالتعليم يتيح للفتيات اكتساب القدرة على اتخاذ القرار والارتقاء في السلم الوظيفي الى مناصب عليا في المجتمع بعد اتمام الدراسة الاعدادية أوالجامعية، وهو ما كانت مختلف المجتمعات تعتبره حكراً على الرجل في الماضي.

تهدف ندوة “النساء في مجال العلوم” الى تكريم النساء الرائدات وكذلك الى تغيير المفاهيم بحيث تتمكن الاجيال الصاعدة من اتخاذ القرارات الفردية والتعليمية المناسبة بناءاً على نماذج ايجابية يتطلعون اليها. فعلى سبيل المثال، حينما نتحدث عن العلماء ينبغي ان نذكر لا بل نكرّم السيدة رجاء الشرقاوي المرسلي من المغرب، وهي واحدة من خمسة نساء حصلن على جائزة “نساء في مجال العلوم” لهذا العام. تطمح رجاء الى رفع مستوى البحث العلمي في وطنها الأم وتحسين الرعاية الصحية من خلال دراسة أعدتها لدرجة الماجستير هي الاولى من نوعها في الفيزياء الطبية. كما قدمت اسهامات مهمة في مجال اكتشاف جسيمات هيغز (تخيل كيف تتحول الحرارة الى كهرباء او تطوير مواد تستخدم في تجديد انسجة الجسم العصبية التالفة).

ما مدى أهمية هذا الدور كنموذج يحتذى به؟ حسنا عليك ان تعلم بأنه منذ تأسيس جائزة نوبل للفيزياء عام 1901 حصلت على هذه الجائزة أمرأتين فقط وفي كلتا الحالتين تمت مقاسمة الجائزة مع علماء رجال: الاولى كانت من نصيب مدام كوري عام 1903 والثانية من نصيب ماريا جيوبرت-ماير عام 1963. لاغنى عن المرأة في مجال العلوم ومع ذلك فانها تمثل نسبة 30% من العلماء في العالم اليوم. توضح مثل هذه الاحصائيات وبشكل مخيف مدى اهمية الاحتفاء بانجازات المرأة من خلال أنشطة مثل الندوة التي أقيمت في 18 آذار في باريس. ولعلنا نجد الأمر مثيراً للاهتمام حين نعلم بأنه وخلال السبعة عشر عاماً الماضية قبل انعقاد ندوة “المرأة في مجال العلوم”، تلقت اكثر من 2000 امرأة منحةً أوجائزة. وتمنح لجنة تحكيم متخصصة منحة دراسية كل خمس سنوات لخمسة عشر موهبة واعدة وتكافئ خمس نساء من اللواتي قمن بتغيير المفاهيم في عالم اليوم من خلال انجازاتهن العلمية.

يعترف العالم اليوم بقوة ومقدرة المرأة العربية كمؤيد نحو التغيير، وما في منح جائزة نوبل للسلام عام 2011 الى كرمان توكل، اول يمنية وعربية واصغر فائزة تحوز على شرف نيل هذه الجائزة على مستوى Rajdaâ Cherkaoui el Moursliالعالم، الا دليل على ذلك. ألن يكون الامر رائعاً لو اعتبرنا ذلك دافعاً للنساء للحصول على المزيد من جوائز نوبل كجائزة نوبل للفيزياء مثلا؟

وفقاً لتقرير جامعة VU “في يو أمستردام في هولندا” تبين أن الفتيان في المرحلة الثانوية يقدمون مستوى افضل من الفتيات في دراسة مواضيع ما يعرف بـ STEM (العلوم والتكنلوجيا والهندسة والرياضيات)، الامر الذي يتناقض مباشرة مع احصائيات دول مثل الكويت وقطر والاردن والامارات العربية المتحدة حيث تمثل نسبة تفوق الفتيات في مجال الانجازات الاكاديمية العلمية إحصائيا مستويات أعلى بكثير من مثيلتها عند الفتيان. ويتحدث التقرير كذلك عن أن البيئة التي تنشأ بها الفتاة لها تأثير كبير وواضح على نمو الدماغ ففي نهاية المطاف، كل شئ يعتمد بالاساس على الذهنية التي تنشأ حولها.

بإيجاز، حينما ترتكز القرارات التي يتخذها المرء على ما يفضله، نلاحظ ان ارتفاع مستوى البطالة بين الاناث في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا يشير الى وجود عوامل “مجتمعية” أخرى مؤثرة. واستنادا الى الاحصاءات المذكورة آنفا ندرك بأن هذا هو الوقت المناسب للمرأة العربية للعودة الى ميلها الطبيعي نحو العلوم (والذي له الاسبقية التاريخية لما تحفل به المنطقة العربية من انجازات عملية تحققت خلال التاريخ).

وبالعودة الى موضوع قصتي هذه، لم نكن انا والعلم خلال مرحلة البلوغ صديقين حميمين. فقد كان الاختصاص العملي الوحيد الحائز على اهتمامي هو علم الاحياء. كما لم يظهر اهتمامي بالعلم إلا بعد مرور سنوات عديدة. ويحضرني هنا قول لاعب كرة القدم الهولندي الشهير يوهان كرويف (والمعروف بالاقوال الخاطئة نحوياً حين يتحدث اللغة الانكليزية) حين قال: “ستبدأ باستيعاب الامر حين يتوغل في اعماقك”. يحدوني أمل كبير بأنني تمكنت من إثارة اهتمامكم قرائي الأعزاء بان المجال العلمي ليس حكراً على الرجال فقط (فهو لم يكن أبداً كذلك يوماً).

 

[1]    http://www.unicef.org/sowc96/ngirls.htm

Leave a Reply

Translate »