تداعيات إسم؟

نوراير

نوراير

أسمي نوراير.. ليس أحمد أو علي ولا جون أو جيمس. أنا أرمني وكذلك أسمي. لكنني لم اترعرع في أرمينيا ولم انشأ في ذلك البلد حيث يضاهي فيه أسمي امثاله من الاسماء الاخرى كإسم علي أو جون. فلقد ولدت ونشأت في عاصمة العراق، بغداد حتى سن التاسعة عشرة ومن ثم انتقلت للعيش في الولايات المتحدة الامريكية عام 2008. كنت أعتقد بأن ذلك الانتقال سيشكل تغييراً كبيراً ولكنه لم يكن كذلك. كما اعتقدت بأنني سأشعر بالحنين الى الوطن ولكن ذلك لم يحدث أيضاً. في الواقع اشتقت الى عائلتي كثيراً ولكنني لم افتقد اصدقائي حيث كان معظمهم قد غادر البلاد منذ أحداث عام 2003. أتساءل لماذا لم افتقد الى الكثير؟

قضيت تسعة عشر عاماً الأولى من حياتي كالغرباء. لم يكن هذا لأن العراقيين انفسهم كانوا يشعرونني بذلك (ليس الطبقة المثقفة منهم على الاقل)، إنما كان بسبب معضلات في لغتي الام، وبسبب تقاليدي ومعتقداتي الدينية وطبعا مرة اخرى اسمي الذي جعلني اشعر بأنني أغرّد خارج “سرب الاغلبية”. الامر الغريب انني أعتدت على كل شئ إلا الطريقة التي كان يتلقى بها المقابل إسمي. كنت اذهب الى المدرسة كل يوم لاسمع اسمي يلفظ بطريقة خاطئة في كل مرة. بشكلٍ او بآخر، اصبح الخطأ اللفظي حين يناديني زملائي ومعارفي العراقيين يرمز الى جميع الاشياء الاخرى. فمثلا كان الاولاد في مدرستي يتسلّون باستعمال اللفظ الخاطيء لإسمي كصيغة للشتائم او كعنصر من العناصر الكيميائية مثل (نويورايد البوتاسيوم).

إلتحقت فيما بعد بإحدى الجامعات في الولايات المتحدة الامريكية وظننت انها بداية لحياةٍ جديدة، لكن اسمي اصبح مرة أخرى رمزاً في هذا الفصل الجديد من مسيرة حياتي. لطالما اعتقدت بأن زملائي ومعارفي في العراق لم يتمكنوا من نطقه بالطريقة الصحيحة لكونهم ناطقين باللغة العربية، وبأن الاميركيين وهم امة تشكلت من جميع أمم العالم الاخرى على مدى اجيال، لن يشعروا بالتحدي نفسه عند نطقه. لكن كم كنت مخطئاً باعتقادي هذا! فبعض ما كنت أسمعه من محاولات منهم للفظه كان محرجاً للغاية. وبهذا اصبحت الشخص الذي يقضي مدة دقيقتين او ثلاث ابتداءً سواء في احد الفصول الدراسية او في الاماكن الاجتماعية العامة محاولاً شرح كيفية نطق اسمه اثناء التعرف الى الاخرين. وذلك بدوره يؤدي الى تساؤلات مختلفة اخرى عن خلفيتي العرقية والذي في حد ذاته يمثل معضلة أخرى، حيث كان من الصعب ان أشرح انني من أصل أرمني لكنني ولدت وترعرعت في بغداد. ان حقيقة ان بغداد تتصدر عناوين الأخبار على المستوى العالمي منذ عشر سنوات وحتى الآن ساعد على التعريف بمكان نشأتي جغرافياً، كما اقترن اسمي باحدى مشاهير اميركا من اصول ارمنية وهي كيم كاردشيان مما ساعد على فهم اصولي العرقية.

اذاً ما الذي يعنيه العيش كأقلية؟ ببساطة كنت في طفولتي اشعر بعدم الارتياح حينما اكون محاطاً بغير الأرمن وفي أحيان اخرى كنت اشعر بخجلٍ شديد عندما توجب عليّ تقديم عرض توضيحي او الانخراط في نقاش معين في الفصل الدراسي لاعتقادي دوماً بان الآخرين سوف يسخرون من لهجتي ولكنتي مما كان يجعلهم يفقدون التركيز على وجهة النظر التي كنت اتحدث عنها. لقد تغيرت الامور بالطبع واصبحت الآن انظر الى الماضي واستفيد منه كنقطة قوة بدلاً من اعتباره أمراً يتعلق بالتمييز العرقي. فحينما افكر بالامر من وجهة نظر أكثر اتساعاً أعي بأن تلك الاعتبارات الشخصية ساعدتني على ان اتفهم على سبيل المثال واقع الحال المتوتر في الشرق الاوسط. فالأفراد هناك يرغبون بأن يحاطوا ببيئة يألفونها، وبأنماط سلوك وتقاليد يرتبطون بها. فالانسان بطبيعته يعدّ المجهول مدعاةً للخوف.

استطعت على المستوى الشخصي ان أختار ألا اشعر بالخوف من “الاختلاف” بعد الآن، وقررت ان أعكس نظرتي الذاتية تجاه الأمور، وادركت بان التغيير يجب ان ينبع من داخلي اولاً. في الماضي، خلقت حولي احساساً بالتمييز لأنني لم اشبه الذين من حولي من حيث المظهر وطريقة الكلام وطريقة التفكير، وبالتالي كنت المتضرر الوحيد من ذلك الاحساس، وشعرت بالحاجة الى تغيير ذلك السلوك. واستلهمت مساري الجديد من قول شهير اقتبسته من الكاتبة مايا أنجلو والذي أضاء حياتي لاحقاً:

” إن لم يعجبك أمر ما فعليك تغييره، فإن لم تستطع، غيّر موقفك منه ولا تكتفي بالتذمر”.

فعوضاً عن التركيز على حقيقة “انني لم أكن منتمياً” أو أن اسمي ليس علي أو جون، شرعت باحتضان حقيقة “تفردي”. وبدلاً من ان اجعل مشاعر الحزن والسلبية تستحوذ عليّ، بدأت بتقدير هذا التنوع الثقافي الذي نشأت ضمنه مما أثرى حياتي وغيّر من موقفي بالتدريج.

اعتقد بان هذا النهج قابل للتطبيق حين يتعلق الامر بالتمييز العنصري والجنسي والديني ووجهات النظر السياسية وحتى الميول الجنسية. أصبحت الآن على يقين من انني أكثر قدرة على العطاء من خلال الثقافة المتنوعة وعلى خلق القيمة الحقيقية حين أدخل في نقاش اثناء العمل او عند إلقاء محاضرة. لم يعد اسمي يدل على الفرص الضائعة في الماضي بل هو الآن رمز قوي لهويتي التي افتخر بها – وهي الهوية التي تحمل الكثير من القيم للآخرين ذلك لانها تمثل هوية المواطن العالمي الذي اصبحت عليه اليوم.

 

Leave a Reply

Translate »