حقوق المرأة المتعلقة بالصحة في العراق: الاعتبارات والنتائج

  nina-iraq سعاد اللامي

سعاد اللامي

 

المحامية والناشطة العراقية الرائدة في حقوق الانسان سعاد اللامي، الحائزة على جائزة المرأة الشجاعة من وزارة الخارجية الأمريكية عام 2009، وجائزة االقيادة العالمية للأصوات الحيوية عام 2014، تشاركنا بوجهات نظر مهمة حول المعوقات التي تؤثر على الرعاية الصحية للمرأة من الناحية القانونية والاجتماعية في العراق. الجدير بالذكر ان سعاد اللامي أسست في عام 2007 منظمة عراقية غير حكومية هي منظمة نساء من أجل التقدم.

تعـدّ الرعاية الصحية قضية اجتماعية واقتصادية وسياسية. وفوق كل ذلك، فهي قضية جوهرية لحقوق الانسان. وتتوفر في العراق كل من الأطر الوطنية والدولية التي تهدف الى مكافحة التمييز ضد المرأة في كل صوره. فإلى جانب الأحكام الدستورية في العراق التي تهدف إلى تعزيز صحة الفرد من خلال توفير الخدمات الصحية العامة، يقدم قانون الصحة العامة العراقي رقم 89 لسنة 1981 مدىً واسعاً من المعايير التي تدعم صحة الأم وتنظيم الأسرة وصحة الأطفال. إلا ان القانون آنف الذكر لا يقدم نصاً خاصاً بمرافق الرعاية الصحية للمرأة ولا يشير الى قضية وقاية المرأة ومعالجتها من الامراض على الرغم من ان القانون يشير الى العناية الصحية لمرحلة ما قبل الولادة وما بعدها.

وعلى نطاق أوسع، يشير نص القانون العراقي الى حق الحصول على الرعاية الصحية. وينص على ضرورة تأمين حصول الطفل والمرأة على الرعاية الصحية. ومع ذلك، فإن الإطار القانوني غير كافٍ من حيث ضمان ان تكون الرعاية الصحية الجيدة متاحة وميسرة للمرأة. وينطبق ذلك بخاصة على شريحة الأرامل أو اللاتي يتحملن مسؤولية إعالة الأسرة لأسباب مختلفة. كما ان القانون يغفل معالجة قضايا ومشاكل المرأة في مجال الصحة الإنجابية ومشاكل الفتيات المعنّـفات. وهو بالمقابل يركز بصورة أساسية على الرعاية الصحية لما قبل الولادة ورعاية الأم.

عند تناول قضية حقوق المرأة في مجال الصحة، ينبغي مناقشة حقائق اجتماعية مهمة مثل الفقر والإعالة الاقتصادية فضلاً عن النص القانوني. وفقاً للتقاليد يتمتع الرجل بمعاملة تفضيلية داخل الأسرة، وهذا يشمل الحصول على الغذاء. ومن الممارسات التقليدية الاخرى ضرورة حصول المرأة على إذن من احد اقربائها قبل الحصول على الرعاية الصحية، وهذا يشكل عقبة كبيرة في حصول المرأة او الفتاة على رعاية صحية جيدة. ان الحرمان وانتشار العنف الجنسي بالاضافة الى ضعف التأثير في عملية اتخاذ القرارات يؤدي الى عدم المساواة في حصول كل من الرجل والمرأة على الرعاية الصحية.

 

السياق الوطني

مع ذلك، علينا ان ننظر الى حقوق المرأة في المجال الصحي في العراق من منظور السياق الوطني. يقدر عدد سكان العراق في عام 2003 بـ 25 مليون نسمة. وارتفع هذا العدد في عام 2015 ليقدر بـ 35 مليون نسمة. تشكل الفئة العمرية لأقل من 14 عاماً نسبة 42% من سكان العراق (حيث يعدّ العراق من اكثر السكان شباباً في العالم). ويشير استطلاع صحة العائلة العراقيةIFHS  لعام 2006 الى ارتفاع نسبة الإنفاق من المال الخاص على الصحة (حيث يشكل نسبة 13% كنفقات شهرية للأسرة).

تستمر نسبة الفقر بالارتفاع في العراق حيث يعيش 23% من السكان تحت خط الفقر. وتؤدي الظروف السيئة في الأرياف وضعف التنمية الزراعية الى دفع سكان تلك المناطق الى النزوح الى المناطق الحضرية مما يؤدي الى ازدياد الكثافة السكانية حيث تشكل نسبة 13% من الابنية منازل مفردة قد يصل عدد افراد الاسرة فيها الى 12 فرداً. وهذا بدوره يؤدي الى ازدياد الاحياء الفقيرة وبالتالي يعيق المرأة من الحصول على الخدمات الصحية الجيدة. ولا تتوفر احصائيات دقيقة حول نسبة النساء اللواتي يعـِشن حالة الفقر، إلا ان حقيقة ان المرأة أقل قدرة على ان تكون جزءاً من سوق العمل الرسمية يعني بالضرورة انها لا تحصل على منافع الحماية الاجتماعية بما في ذلك الرعاية الصحية. فحتى في وجود رعاية صحية جيدة، قد لا تتمكن المرأة من الحصول عليها.

 

 

ارتفاع معدلات الخصوبة

تعدّ نسبة الخصوبة الكلية عالية مقارنة بباقي دول العالم. وهذا يشكل بدوره عائقاً امام التطوير من حيث صحة الأم والمرأة بصورة عامة. لقد بلغت نسبة الولادات عام 2011 معدل 4.5 ولادة لكل امرأة (تبلغ 2 لكل أسرة في الدول المجاورة). وينسب انخفاض عدد الولادات في تلك الدول بصورة مباشرة الى حصول المرأة على تعليم وفرص افضل. ولمعالجة هذه القضية ينبغي على الدولة ان تقدم الرعاية الصحية والتعليم والسكن وفرص العمل للمرأة في العراق.

 

الوفيات النفاسية

بلغت نسبة الوفيات النفاسية في عام 2012 (اي حالة وفاة الأم اثناء او بعد الولادة) 25.8 حالة لكل 10,000 حالة ولادة سليمة. وتتمثل العوامل المؤدية الى تلك الوفيات في الممارسات غير الصحية اثناء الولادة والحصول على الرعاية الصحية من مصادر غير ملائمة او من القابلة بالاضافة الى ارتفاع مستوى فقر الدم (35%) لدى النساء الحوامل. وتكثر هذه الظاهرة عند النساء في المناطق الريفية كما هي الحال في وسط وجنوب العراق. كما تشير تقارير وزارة الصحة الى انخفاض نسبة النساء اللواتي يحصلن على الرعاية الصحية وبالاخص الحوامل. حيث انخفض عدد زيارات الحوامل الى مراكز الرعاية الصحية في انحاء العراق لأول مرة من نسبة 66% عام 2011 الى 51% عام 2012. وتعتبر الحاجة الى كادر طبي نسائي وبالاخص في المناطق الريفية من العوامل المؤثرة. ولغرض معالجة هذه الحالة يجب بذل الجهود من اجل تثقيف المرأة حول ضرورة الحصول على الرعاية، وهذا من شأنه ان يقلل من مخاطر الحمل والولادة. كما يجب اتخاذ التدابير لتعيين الطبيبات في تلك المناطق.

 

الأعراف والممارسات الاجتماعية

تتزايد ظاهرة الزواج المبكر بشكل مستمر، وهو يؤثر بدوره من حيث ترك الفتيات للدراسة، كما يهدد الصحة العامة الإنجابية والعقلية لتلك الفتيات اللواتي من غير المرجح أن يكنّ مستعدات لعملية الولادة جسديا أو نفسياً. كما تزايدت نسبة الأرامل والمطلقات من 28,000 في عام 2004 الى 160,000 في عام 2012 مما يعني اضطرار تلك النساء واطفالهن الى مواجهة الحياة بلا مهارات للعمل او دعم مادي.

ان مجموعة من الأعراف والعادات والتقاليد الرجعية لا تؤدي الى عجز المرأة عن الحصول على الرعاية الصحية الاساسية فحسب، بل قد يؤدي اهمال الحقوق القانونية الى الوفاة بصورة مباشرة. وهذه قصة حقيقية شهدناها كإحدى الحالات في مركز نساء من أجل التقدم.

ندى هي أم شابة في السابعة عشرة من عمرها، قصدتنا من اجل الحصول على المساعدة القانونية. عمدت أسرتها الى التنازل عن حقوقها القانونية عندما طلّقها زوجها من جانبٍ واحد، ورفض شقيقها ان تطالب بحقوقها لأنه كان متزوجاً من شقيقة زوجها. وهكذا أدت التقاليد السلبية لحكم العشيرة في تلك الأسرة الى ان تخسر ندى حضانة كل من طفليها، صبي في السنة الاولى من عمره وفتاة في عامها الثاني. وقد أدى ذلك مباشرة الى وفاة الطفل الصبي بسبب اهمال الاب وزوجة الاب له. عندما اتضحت شدة مرض ذلك الطفل قبل وفاته، استطاعت الأم الشابة ان تستعيد حضانته، إلا انها لم تتمكن من انقاذه بسبب قلة الموارد المالية. وتوضح هذه القصة على ارض الواقع كيف يمكن ان ترتد حقوق المرأة عكسياً بسبب العرف العشائري على الرغم من ان القانون يكفلها.

 

العنف الجنسي:

يعدّ العنف الجنسي قضية مهمة تؤثر في صحة المرأة في العراق. ان التداعي البيئي الذي يؤثر على المسببات الرئيسية (كالأعراف العشائرية والعوامل الاقتصادية والاجتماعية وعدم استقرار البيئة السياسية والعنف الطائفي) يؤثر كذلك بشكل كبير على ارتفاع تلك الارقام الاحصائية بشكلٍ حاد. ان العنف ضد المرأة يؤدي بشكل مباشر الى الاصابات الخطيرة او العوق او الوفاة. بالاضافة الى التأثيرات غير المباشرة التي تشمل التوتر الناجم عن التغيرات الفسيولوجية وتعاطي المخدرات وعدم وجود رقابة على الحمل، حيث تزداد معدلات الحمل غير المرغوب فيه لدى النساء المعتدى عليهن وكذلك حالات الإجهاض والحمل السلبية والولادات والأمراض المنقولة جنسياً (بما في ذلك فيروس نقص المناعة البشرية) والاضطرابات النفسية بالمقارنة مع أقرانهن غير المعنفات.

ومن الجدير بالذكر ايضاً أن قضية وصمة العار الاجتماعية المرتبطة بجرائم العنف الجنسي لا تشجع العديد من النساء على محاولة الحصول على العلاج الطبي. ومن غير المرجح كذلك متابعة السبل القانونية وذلك بسبب الخوف من أن ذلك قد يثير “جرائم الشرف” أو الوصم الاجتماعي.

وقد أظهرت دراسة أجرتها وزارة التخطيط في العراق أنه كلما ارتفع عدد الأطفال في الأسرة، كلما ازداد احتمال حدوث العنف الجنسي. وهناك عامل رئيسي آخر يتمثل بتحديد المستوى التعليمي المتدني للمرأة (وخاصة بين النساء العاطلات عن العمل). وبالتالي ينبغي البدء بنشر الوعي حول تحديد حجم الأسرة واتخاذ خطوات عملية لتحسين فرص التعليم والعمل من أجل إحداث تغيير في هذه الإحصاءات المخيفة.

 

تنظيم الأسرة:

يمتلك العراق سياسة رسمية لتنظيم الأسرة والحمل للسنوات العشرين الأخيرة. إلا انه من غير الواضح مدى قدرة المرأة على الحصول على خدمات تنظيم الأسرة. فقد تعرض ما يقرب من ثلث مؤسسات تنظيم الأسرة الى التدمير منذ عام 2003. والتقدم التكنولوجي في مجال تنظيم الأسرة غير متوفر، كما ان كل من مقدمي الرعاية الصحية والنساء على حد سواء يجهلون ما هي احدث وسائل تنظيم الأسرة. وتتضمن مطالب المرأة الاساسية عند طلب الرعاية الصحية الاحترام والثقة والخصوصية والسرية – وتلك القيم غالبا ما تفتقر اليها  المرافق الطبية المزدحمة.

من الناحية القانونية، تتمتع المرأة بحرية اتخاذ القرارات بشكل مستقل فيما يخص صحتها وحقوقها، الا انها في الغالب غير قادرة على ممارسة هذه الحرية خارج المدن الكبيرة. بالاضافة الى ذلك، يؤدي الفقر والجهل بالأمور المتعلقة بصحة المرأة بالعديد من الأسر في تلك المناطق الى اللجوء الى العلاج الشعبي والقابلات غير المدربات.

تعيق كل من المواقف المتزمتة والمعتقدات الثقافية والدينية، والظروف الاقتصادية على المستويات الاجتماعية والمؤسسية حصول المرأة بشكل حر على خدمات تنظيم الأسرة. وبالتالي تكون المرأة غير قادرة على اتخاذ القرار بشأن عدد الأطفال في الأسرة والفترة الزمنية بين كل طفل.

في الختام، تحتاج المجتمعات وأنظمتها الصحية الوطنية الى التوجيه الأمثل من أجل تلبية احتياجات المرأة من ناحية الحصول على الرعاية الصحية والاستيعاب والاستجابة. وعلى السياسات والبرامج ان تضمن عدم تأثير المعايير بين الجنسين وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية بشكل سلبي على قدرة المرأة على الحصول على المعلومات الصحية وخدمات الرعاية. ويمكن المساهمة في تحسين صحة المرأة من خلال الستراتيجيات الشاملة مثل الحد من الفقر ومحو الامية والتدريب والتعليم وزيادة فرص المشاركة في الانشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. يجب اتخاذ خطوات جريئة لتضمين التحليل والاجراءات المتعلقة بالجنسين في سياسات الصحة العامة وازالة العقبات المالية التي تعيق الحصول على الخدمات. ان التمكين الاقتصادي للمرأة هو مكوّن مهم لأية استجابة فاعلة.

بإمكانكم الاتصال بمنظمة نساء من أجل التقدم من خلال:

[email protected]; +964 79016 44319

 

 

 

 

 

 

 

Leave a Reply