نقد “التّطبيل والتّزمير” في الأردن

بقلم الأديبة د.سناء الشعلان/ الأردن

يمكن أن نقسّم النّقد في الأردن على قسمين، القسم الأوّل، وهو المسيطر، والأكثر عدداً وحضوراً هو النّقد الذي يمكن أن أسمّيه تجاوزاً نقد”التّطبيل والتّزمير”، وهو نقد لا يقوم على منهجيّة ولا علم ولا دراية ولا تخصّص إنّما يمارسه أشباه المتعلّمين ومدّعي النقد، وفي الغالب لا يحملون شهادات متخصصة ولكن بحكم توظيفهم في وظائف أو مؤسّسات ثقافيّة فإنّهم يهبون أنفسهم لقب نقّاد كبار دون معرفة أو ثقافة أو دراسة ويقدّمون انطباعاتهم الشّخصيّة، وينسون حقيقة أنّهم ليسوا إلاّ موظفين في مكان ثقافيّ، وهذه الوظيفة لا تجعل منهم نقّاداً أو محللّين أو مبدعين ما لم يكونوا أساساً كذلك، وهؤلاء يشوّهون المشهد النّقديّ الأردنيّ بشكل كامل، ويعملون في الغالب بوظيفة (التّطبيل والتّزمير) التي تعمل بمنطق المصلحة والنّفعيّة، وتعليّ من قيمة (الخربشات) التي لا ترتقي إلى أن نسمّيها أدباً أو نصوصاً إبداعيّة، في حين أنّها في الغالب تتجاهل المبدع الحقيقيّ لأنّه يربأ بنفسه على أن يكون أسيرها، وهو في الوقت نفسه يشكّل حائطاً صلباً أمام أشباه النّقاد الذين يتصدّرون المشهد النّقدي الأردني بحكم عملهم في وظائف ثقافيّة، حتى ولو كانت هذه الوظيفة في حقيقتها هي وظيفة خدميّة، ولا علاقة لها أساساً بالإبداع والكتابة. والمبدع الحقيقيّ يكون هدف أولئك الدّعاة بالتّهميش والتّجاهل؛ لأنّه غني عنهم بإبداعه وموهبته ونفسه الأبيّة كما هو حال كلّ مبدع حقيقيّ.

  وهذا النّوع من النّقاد في الأردن يشكّل جيشاً من المرتزقة التي ترهق المشهد النّقدي في الأردن وتسيء إليه، وليس هناك حلّ لاجتثاثهم إلاّ عبر ثورة ثقافيّة تقوم بإبعادهم عن الوظيفة النّقديّة ووضعهم في سياقاتهم الطّبيعيّة والصّحيحة في المهام الخدميّة في مؤسّساتهم لا أكثر من ذلك.

ولكن-للأسف- قد يبقى أولئك الذين يشوّهون المشهد النّقدي في مواقعهم الوظيفيّة لسنوات طويلة، وبذلك نستطيع أن نتخيّل مقدار الفساد الذي يلحقونه بالمشهد النّقدي، وهم “يطبّلون ويزمّرون” لمن يدفع مقابل ذلك بغض النّظر عن الثّمن.

  أمّا القسم الثّاني من النّقد الأردني فهو النّقد الأكاديمي العلميّ القائم على أسس علميّة نقديّة حقيقيّة، وفي الغالب من يضطلع بهذا النّوع من النّقد هم الأكاديميون المتخصّصون، وهؤلاء إن سقطوا أحياناً في فخّ العلاقات الشّخصيّة والنّفعيّة والعصابات الأكاديميّة المتأثّرة بخارطة المصالح في المشهد النّقدي في الأردن إلاّ أنّنا نستطيع أن نطمئن إلى حدّ ما إلى أنّ ما يقدّمونه من نقد هو نقد حقيقيّ قائم على أسس علميّة،لا مجردّ “تطبيل وتزمير”. وفي الشّأن نفسه نستطيع أن نفخر بالكثير من الأسماء النّقديّة الأكاديميّة الأردنيّة التي نالت الاحترام والاعتراف على المستويين الأردنيّ والمحلّي عبر أقلامها النّقديّة الشّريفة التي تدفع بالإبداع الحقيقيّ نحو الضّوء في عمليّة نقديّة مسؤولة وجادّة تعدّ النّقد عمليّة جماليّة أخلاقيّة ذات مسؤوليّة عالية.

   لكن النّقد الأكاديمي ليس دائماً هو أرض الأمان للإبداع والمبدع الحقيقي، فالشّهادة العليا ليست جواز سفر شرعيّ بأيّ شكل من الأشكال نحو عالم النّقد، بل النّقد الأكاديميّ هو عمل أكاديمي علمي متخصّص له أعرافه التي لا يمكن اختراقها بأيّ شكل من الأشكال ولو بشهادة دكتوراه متخصصة!

[email protected]

Leave a Reply

Translate »