الدراسة في الخارج.. رحلة رائعة

نور حامد

بقلم: نور حامد

كان الوقت يقارب الظهيرة حين حطت طائرتي في مدينة كوليج ستيشن في ولاية تكساس الاميركية، تلك المدينة اصبحت فيما بعد وطني الجديد لأكثر من عامين تاليين حيث مكثت فيها كطالبة في جامعة “تكساس أي اند أم”. كنت منهكة للغاية عند وصولي، أهفو الى وجبة طعام شهية وسرير وثير بعد رحلتي الطويلة من بغداد. حملت حقائبي وتوجهت الى صالة الانتظار على أمل ان اجد شخصاً من ادارة الجامعة يرفع لافتة تحمل اسمي لاصطحابي الى هناك. وأثناء ذلك راحت انظاري تجوب المكان تراقب مسافرين آخرين تستقبلهم أسرهم وأصدقاؤهم بترحابٍ حار. ربما بدا ذلك وضعاً طبيعياً، إلا انه لم يكن كذلك بالنسبة لي، فلقد أدركت حينها بانني وحيدة هناك حيث لا عائلة ولا اصدقاء يتولون رعايتي والاهتمام بي كما اعتدت في وطني. بقيت أرقب المسافرين وهم يغادرون واحدا تلو الاخر وجلست أنتظر وحيدة. تملكني اليأس والارهاق فقررت الاتصال بمكتب الطلبة الاجانب التابع للجامعة للسؤال عن سبب التاخير فأخبرتني السيدة في الطرف الاخر من المكالمة بان الجامعة لم ترسل احدا لاصطحابي! ادركت حينها بانه علي ان اتوجه الى المجمع السكني لوحدي في سيارة اجرة. حسناً، قد يبدو ذلك وضعاً طبيعيا مجدداً، ولكن ليس بالنسبة لشابة من الشرق الاوسط اعتادت عائلتها ان تقوم بكل شئ عنها.

كانت تلك صدمتي الأولى من حيث اختلاف الثقافات،  فمنذ ذلك الوقت توجب علي الاعتماد على نفسي في كل شيء وذلك ايضاً ما توقعه مني الجميع وفقا لطبيعة المجتمع هناك. انه الدرس الاول الذي تعلمته من اجل مواصلة الحياة في الولايات المتحدة الاميركية. لقد مقتّ حياة الاستقلال في البداية، لان الامر يحتاج الى الكثير من العمل خاصة مع الكم الهائل من المواد التي توجب علي دراستها. لم يكن الامر سهلا مطلقا. ولكنني اليوم استمتع بكوني شخصاً مستقلاً بذاته.

لقد كان التحدي الجديد بالنسبة الي هو كيفية الانسجام مع اقراني داخل الصف الدراسي الاميركي. وما زاد من هذا التحدي تعقيدا هو دراستي لمواضيع تتعلق بالسياسة الاميركية في الشرق الاوسط. كنت الطالبة العربية الوحيدة في ذلك الصف حين بدأت دراستي عام 2011 في شهر يناير في فترة حرجة آنذاك حين اندلعت ثورات الربيع العربي في منطقة الشرق الاوسط . ففي بداية الامر شعرت بضغط نفسي كبير حيث لم يكن بمقدوري ان اكون موضوعية التفكير حيال العديد من القضايا الحساسة مثل مسألة الحرب. لكنني على الرغم من ذلك ادركت بانني الشخص الوحيد الذي عاش تجربة الحرب من بين باقي اقراني الطلبة، وفي نهاية المطاف ساهمت وبشكل مباشر بتبادل تجربتي الشخصية. وبينما كان الطلاب الآخرون يدرسون الستراتيجيات السياسية والقوانين ضمن المناهج الدراسية، كنت من الناحية الاخرى اقرأ مسار حياتي وكيف تدخل صانعو القرار السياسي وقادة العالم في تشكيلها. كطالبة، كان من المفترض بي ان ابقى على الحياد الا ان ذلك كان غير ممكن في ظل غمار التجارب التي خضتها طوال سنوات عمري. فلقد شهدت اندلاع الحرب وعشت البؤس الذي فرضته العقوبات الاقتصادية، وتعرضت الى التمييز الطائفي والاسوأ من ذلك كله هو فقداني لوالدي خلال الحرب الاهلية الوحشية.

كان درسي الأول يتناول موضوع حرب الخليج عام 1991. اتذكر كيف جال الاستاذ حينها ارجاء الصف وهو يسأل زملائي واحداً تلو الاخر اين كانوا أبان تلك الحرب وكانت اجاباتهم متوقعة حيث كانوا اما  يلعبون او يلهون في رياض الاطفال. وعندما حان دوري للاجابة أجبت بحزن وألم عميقين.. كنت حينذاك في حجر امي اشعر برعب كبير بينما نتوقع الصاروخ التالي الذي سيضرب مدينتنا.  لقد ادركت انني وهبت فرصة قيّمة لإظهار الوجه الآخر من الحرب لزملائي ولاساتذتي على حد سواء. كما انني استطعت ان أعرفهم بثقافتي وتراثي العراقيين وكيف يفكر الناس في ذلك الجزء من العالم (المحرر: ذلك ايضا هو أحد أهداف مجلة نينا). وسرعان ما ادركت انه من خلال مساعدتي لاقراني ولزملائي على تعلم ثقافة شعبي كنت في ذات الوقت استكشف هويتي الحقيقية من منظور جديد.

شهدت السنوات الثلاث التي قضيتها في الولايات المتحدة الاميركية تحولا كبيرا في حياتي. فقد واجهت خيارين لا ثالث لهما للعيش في مجتمع غربي وهما اما رفض الاندماج نهائيا في المجتمع او التكيف والتعايش معه وتبادل الخبرات والثقافات المختلفة. وبعد اقامة رائعة في تكساس، عدت الى بلدي متسلحة بالمعرفة  وبالكثير من التسامح  ووجهات النظر المعتدلة حول المواضيع التي طالما اعتبرتها بحكم تنشئتي “خطوطاً حمراء” أو قضايا لا يمكن وضعها في مجال النقاش. أما اليوم فأنا اعتبر نفسي شخصا مختلفا (في رأيي على الاقل!)

أؤمن بان الارتقاء الى مستوى التحديات التي يواجهها المرء في اداء المهام كان له الاثر الكبير في تغيير شخصيتي والاستمرار في التقدم. لقد اكتشفت مهارات وصفات لم أكن أعلم بامتلاكها قبلاً. واليوم عندما اواجه تحديا جديدا افكر بأمر واحد: أنا امتلك القدرة والاستقلالية واستطيع ان احقق كل ما أطمح اليه. وادرك بانني قادرة على ايجاد الطريقة المناسبة لعمل ما هو مطلوب وعلاوة على ذلك  فقد اصبح لدي العديد من الاصدقاء الاوفياء في الولايات المتحدة ومن مختلف أنحاء العالم.

أنا اليوم أعيش في العراق واعمل في احدى المؤسسات الكبيرة. لقد اسهمت تلك التجربة في تكويني وساعدت على خلق فصل رائع جديد من حياتي.

 

 

يواصل العراق تشجيع ودعم الشباب ممن يود الحصول على الشهادات العالية في الخارج. ولمعرفة المزيد زوروا المواقع التالية:

http://hcediraq.org/HCED_Official_website/home.html

http://hcediraq.weebly.com/16051585157515811600160016001604-15751604157615931579160016001577.html

Leave a Reply

Translate »