العراق الشجاع الجديد – التواصل بين الحقائق الشخصية والتجارب العملية

Mais and the Iraqi Arbitration Team

ميس مع فريق التحكيم العراقي

 

ميس عبوسي مواطنة اميركية من اصل عراقي تعمل كمستشارة قانونية في وزارة التجارة الاميركية. وها هي تشارك مادلين وايت – مؤسسة مجلة نينا-  ببعض تجاربها.

  • من اجل بناء نمو اقتصادي مستدام وطويل الأمد في العراق، نحن بحاجة الى استكشاف وسائل تواصل جديدة بين العراقيين داخل العراق واولئك الذين يقطنون في دول المهجر.
  • ان بناء جسور التواصل بينهم يتطلب ايجاد أرضية مشتركة تحترم الواقع العراقي وتبتعد عن الحنين المجرد الى الماضي.
  • ان الاصوات النسوية وشبكات تواصلهن هي الوسيلة الامثل لتجسيد مثل هكذا ارضية مشتركة تربط بين أواصر المجتمع العراقي في الداخل ومجتمع دول المهجر.

 

تتولى ميس على عاتقها مسؤولية كبيرة تؤديها بمستوى عالٍ من المهنية تتمثل بتقديم المشورة الى الحكومات في الشرق الاوسط وشمال افريقيا حول قضايا التطوير والاصلاح القانوني والاقتصادي من خلال برنامج تطوير القانون التجاري (CLDP). إلا ان ذلك هو جانب واحد من الموضوع، فهي كذلك تستمد عزيمتها من هويتها كإمرأة اميركية من أصل عراقي، وتلك الهوية هي الآصرة التي توفق بين دورها كزوجة وأم من جانب، وموظفة تتحمل المسؤوليات من جانب آخر عبر التوفيق بين الحياة الشخصية والعملية.

اقتربت الساعة من التاسعة صباحاً عندما بدأنا نتجاذب أطراف الحديث. كانت ميس قد عادت للتو من رحلتها لأفغانستان الى البيت، وها هي ذي تشرع بالإعداد لحفل المساء في مطبخها. انها بحق امرأة مفعمة بالحياة لا تعرف الراحة، تكرس نفسها بشغف لبناء الفرص والتقدم في بلدها حيث ولدت.

Mais and Iraqi Arbitration Team Members

ميس مع أعضاء فريق التحكيم العراقي

بدأت ميس حديثها حول مهنتها قائلة:

أعمل كمستشارة قانونية ومديرة برنامج العراق. وغالبا ما أتواصل بحكم عملي مع موظفين عراقيين بهدف ردم الهوة بين العراق والولايات المتحدة.

هدفنا الرئيسي هو تحسين البيئة القانونية للأعمال، وبالدرجة الأساس في الاسواق النامية والناشئة. وبالنسبة للوضع في العراق، نقدم الدعم من خلال التعاون التجاري الاميركي أي بتقديم الاستشارة وبرامج بناء القابليات الى الحكومة العراقية.

وتبلغ نسبة المشاركات من النساء في برنامجنا حوالي 50%. استطيع الجزم بأن أعظم اللحظات التي تمدّني بالمعرفة هي تلك التي اعود فيها الى الماضي وأفكر كم كان ممكنا ان تكون تجارب اولئك النسوة هي تجربتي أنا. أعتبر هذا أساسياً في واقع الأمر، فالتواصل المشترك هنا يخلق الاحساس بالتعاطف – وهو أكبر جدوى كوسيلة للتعلم بكثير من عروض باوربويت النصية المجردة! ففي تلك اللحظة التي تتوقف فيها لتنصت الى الآخرين وتشعرهم برغبتك في التواصل، سيتواصلون حتماً.

اتعامل مع أناس عاشوا واقعاً في العراق، يمثلون جيلاً ترعرع في أزمنة الحصار والعزلة. وهنا تأتي لحظات التجلّي من خلال المقاربة بين رغبتي في المعرفة حول ثقافة تختلف كلياً عما أظنني أعرفها وبين توقهم للتعلم. وتلك لحظات غاية في العمق تضيف المزيد من المعرفة والخبرة الى المشاركين في البرنامج. فسواء أكان اكتساب المعرفة في مجال نقل التكنولوجيا او الاستثمار والعقود او الملكية الفكرية، أرى تزايداً في القدرة الفكرية على التواصل مع الخارج رغم كل التحديات.

قادنا هذا الحديث الشيق بسلاسة الى ما تؤمن به ميس حول مسؤولية العراقيين في دول المهجر تجاه البلد الأم وضرورة دعم عملية بنائه.

هناك الكثير من المهاجرين العراقيين ممن عادوا الى أرض الوطن ولكنهم واجهوا الفشل. اعتقد ان سبب ذلك هو الانقطاع الناجم عن رسم التوقعات غير الواقعية والحنين الى الماضي.

ان حب الوطن هو امر في غاية الأهمية، بشرط ان يقترن بمعرفة ان من يعود الى الوطن عليه ان “يبدأ بصفحة بيضاء”. ما مضى قد مضى، وكل ما نملك ان نقدمه لبناء بلدنا الأم هو سواعدنا وأكفّنا الممدودة بمحبة لا تلك التي تنتظر المكافأة.

برأيك ما مدى أهمية كونك امرأة من حيث طبيعة عملك؟

أنا انحدر من عائلة عراقية احتلت فيها الشخصية القوية للمرأة باعاً طويلاً. وأتاحت لي تلك الميزة ان اكون مثالا يحتذى به. استطيع القول بانني لا ازال امتلك تلك القيم والصفات الأصيلة رغم انني انتهج الاسلوب الغربي في مجال العمل والفرص المتاحة، وهذه قيمة حقيقية بحد ذاتها على اعتبار ان تغيير طريقة التفكير لكلا الجنسين في هذا المجال من شأنه ان يساعد في تطوير اقتصاد العراق نحو الأمام. (تعليق المحرر: تبلغ نسبة المشاركة في القوى العاملة للأناث 13% فقط مقارنة بنسبة 27% للمنطقة ككل).

أؤمن شخصياً بامكانية تحقيق الهدف نحو تمكين المرأة كنقطة بداية من خلال التركيز على التمكين الاقتصادي. وذلك من شأنه ان يعود بالفائدة المباشرة على كل من الفرد والمجتمع والأمة قاطبة. وقد بدأ الناس بإدراك هذه الحقيقة، لذلك اعتقد بأن كوني امرأة هو عامل مساعد ضمن مجال عملي للوصول الى ذلك الهدف. ففي النهاية نحن من نصنع خياراتنا مهما اختلفت الظروف.

هل تعتقدين انه من المهم التركيز على التباين النسبي بين شبكات تواصل المرأة وتلك الخاصة بالرجل؟ ماهي برأيك القيمة الفريدة في ذلك؟

حسناً، ان هذا الموضوع هو كتاب بحد ذاته!

واستطيع ان اقدم مثالا على ذلك..

لقد عدت تواً من كابول حيث ذهبت هناك لحضور جلسة استماع وتحكيم وطنية هي واحدة من مخرجات برنامج دولي نفّـذ عام 2005. كنت حينها قد بدأت العمل على ذلك البرنامج في افغانستان مع اربع نساء فقط وسرعان ما ازداد عددهن ليتحول اليوم الى فريق عمل من 20 عضوة. ان لساني ليعجز فعلاً عن التعبير عن مدى التغيير الايجابي الذي حققنه. عندما يعربن عن شكرهن او يبكين فرحاً لإنجازات بعضهن البعض، يتراءى لك بوضوح بأن حياتهن تغيرت الى الابد  بفعل الارشاد والدعم الذي حصلن عليه.

كان فريق العمل في بداية الامر يتألف من اعضاء من كلا الجنسين، ولكن سرعان ما تحولت شبكة التواصل الحيوية التي انشأتها عضوات الفريق الى ما هو اعمق من مجرد مسألة التكافؤ مع الرجل. ما هو السبب ياترى؟ برأيي الشخصي يتعلق الامر بالعودة الى نقطة “البدء بصفحة بيضاء”. فقد سادت شبكة التواصل التي نَسَجْنها صفة تفوق الايثار بامكانك ادراك اواصرها حين تجلس في وسط مجموعة من المشاركين في البرنامج.

Mais in Afghanistan

ميس في أفغانستان

باختصار، أؤمن بأن القدرة الحقيقية لشبكة التواصل النسوية مستمدة من الطاقة “الجمعية”. فالاحتفاء بالانجازات الجماعية من شأنها كذلك ان تحفز النجاحات الفردية كما في المثال الذي طرحته من افغانستان. من جانب آخر ينحى الأمر لدى شبكة تواصل الرجل منحىً معاكساً. كما انني أؤمن بأن ذلك التحلي بروح السخاء والايثار ضمن شبكة التواصل النسوية يعود في جذوره الى متانة الأواصر الأسرية، وبالتالي يرتبط بشكل مباشر مع عملية بناء المجتمعات والأمم الأصيلة.

العلاقة الأسرية.. لنتحدث قليلا عن أبناءك. ما هو مدى ما تمنحينه لهم من تلك العلاقة، وكيف هي اهمية هويتك العراقية في كل ذلك؟

لدي طفلان، يحمل كليهما اسماءً عراقية، ويدركان انهما أميركيين من أصول عراقية وان لديهما أقرباء في العراق. إلا ان مسؤوليتي تمتد الى ما وراء عائلتي حيث أقاربي الذين اتواصل معهم وهذا في غاية الاهمية بالنسبة إلي، فأنا عرّابة ذلك التواصل.

وعلى المستوى الشخصي، ادركت بأنني امتلك شخصية متعددة الهويات. فعندما اشعر بالانزعاج اتصرف كإمرأة عراقية متّـقدة أما عندما أقوم بتهذيب اطفالي فأنا عندها أمّ أميركية شديدة الحرص. وكلتا هاتان الشخصيتان هما جزء مني يجمعهما حقيقة كوني مواطنة بلا حدود. وهذا هو ايضا ما أحاول ايصاله الى ابنائي بالاضافة الى هويتي العراقية. أستعين في بعض الاحيان ببعض القصص مثل “أمين مكتبة البصرة” وهي قصة واقعية تدور احداثها حول انقاذ كتب المكتبة من حصار البصرة. فأنا احب ان أوصل الذكريات الجميلة الى ابنائي لكي يفخروا بأصولهم ويبنوا تراثهم الخاص بهم.

Mais with her children

ميس مع أطفالها

ولأختم بطرفة صغيرة، أنا أحب الجري، كما شاركت بماراثون شيكاغو العام الماضي. عندما تجاوزت خط النهاية التففت بالعلم العراقي من كتفيّ تماما مثلما صنع المتبارين الاميركيين من أصل ايطالي. أردت ان احتفل بالروح العراقية. وهذا العام، سأشارك من جديد من أجل دعم مؤسسة أنقذوا أطفال العراق التي توفر سكناً آمناً للأيتام.

لعله من المناسب ان انشر هذا بحلول عيد الفالنتاين. فما سمعته من ميس خلال حديثنا كان يمثل رسالة حب – الى عائلتها وبلديها (كليهما). ان مستقبل العراق سوف لن ترسمه الآلام والشجون، بل سيرسم بالحماس نحو بناء بلدٍ يمثل جزءاً فاعلاً من العالم يؤثر فيه ويخدم المجتمع. ولأجل تحقيق ذلك، ينبغي ان تتكاتف جهود الجميع سواء أكانوا يقطنون في داخل العراق او في أنحاء العالم المتفرقة. وليقف العراقيون كافة وقفة القوة والأمل وجمال الروح الصامدة.

وإليكم أخيراً هذه الحقيقة الكونية – ان حب العراق ماضياً وحاضراً ومستقبلاً هو ما سيتيح لمجتمعين مختلفين من التواصل والازدهار من جديد.

 

Leave a Reply

Translate »