التباين بين الجنسين مقياس للقوة – رحلة في مسيرتي المهنية في عالم الرجل حتى هذه اللحظة

جوديث جاكسن

جوديث جاكسن

بقلم: جوديث جاكسن

كوني أمرأة ولدت وتلقت تعليمها في المملكة المتحدة، البلد الذي تبلورت فيه سنوات شبابي المبكرة نهاية عقد التسعينات، سلّمت جدلاً حينها كإمرأة أن مسألة التباين بين الجنسين هو وسيلة ملائمة لوصف تكويني الجسدي وامكاناتي اكثر من كونها وسيلة لتحديد معالم دوري ومكانتي في المجتمع. وافترضت بشيء من السذاجة بأن ذلك “الرياء” بين الجنسين كان في الماضي يمثل الوضع القائم في عالم المؤسسات، وان مؤسسات القرن الواحد والعشرين قد تمكنت من تخطي المواقف المتشنجة بين الجنسين التي شهدها القرن المنصرم.

بدأت مسيرتي المهنية في عام 2009 في الثالثة والعشرين من عمري وذلك بالعمل لدى شركة عالمية للاستشارات الإدارية. وقد صدقت توقعاتي يوماً بعد آخر، حيث لم يكن للمظهر الخارجي او كون الموظف امرأة دور مؤثر او ملموس بقدر تعلق الأمر بالمسؤوليات. على الرغم من ذلك، لم تتعدّ نسبة النساء في المناصب التنفيذية في المؤسسة التي عملت بها العشرين بالمئة شأن العديد من المؤسسات المالية البريطانية. وقد بدى ذلك جليا أثناء مراسم توظيفي حين قدمت احدى الموظفات المحظوظات من النسبة المذكورة نفسها مازحة “أنا فرنسية بالاضافة الى كوني امرأة أمثل أقلية في كافة الاجتماعات التي أحضرها”، ثم أردفت قائلة بشيء من الجدية “أعتبر ذلك ميزة مذهلة”. لقد احدث هذا التأكيد السمج والمتعمد على التفرقة بين الجنسين خرقاً في وجهة نظري المحايدة تجاه الرجل والمرأة في العالم ولطالما تردد صدى ذلك الشعور طوال مسيرتي المهنية منذ ذلك الحين.

و”كموظفة مبتدئة” سرعان ما وجدت نفسي ملقاة في خضم الدور الذي شكّل نقطة التحول في طريق مسيرتي المهنية المحدودة حينذاك. وانطلاقاً من عملي السابق لفترة قصيرة في مجال تراخيص البرمجيات فقد أوكلت إلي مهمة أمن تكنلوجيا المعلومات الأمر الذي اصابني بالذعر، فقد كنت المرأة الوحيدة آنذاك، أصغر فريق العمل سناً وأقلهم خبرة. لم يكن التعامل الاجتماعي بالامر الهيّن وغلب على العمل الطابع التقني، لكنني حظيت بقبول كواحد من الفريق بسبب رغبتي في المشاركة بالاضافة الى اعتمادي اسلوبا جديدا في العمل ألا وهو اسلوب النقاش الجريء والاعتراف بحقيقة عدم إلمامي بالاجابات كمبتدئة.

حصلت على ترقية في مجال صناعة الطاقة عام2011. حينذاك، عملت عن كثب مع أحدى كبريات شركات النفط في مجال السلسلة الانتاجية للعمليات. وفي سن الخامسة والعشرين، اصبحت مسؤولة عن صياغة استراتيجية تكنلوجيا المعلومات للفرع القائم باعمال التجزئة للشركة حيث كان جميع عملائي رجالاً في منتصف العمر من اصول هولندية او امريكية من تكساس تحديداً يمثلون أقطاباً مهمة في مجال الطاقة. وكوني شابة ومبتدئة في هذا المجال لم أحلم بالحصول على نفوذ كبير. وبعد ثلاث سنوات تم وضع الاستراتيجية التي قمت بتصميمها قيد التنفيذ حيث أشاد مدير العملاء الذي كنت اعمل لصالحه بحرفيتي واسلوبي القيادي.

لم اتعامل مع الامور بطريقة مستحدثة، ولكنني مؤمنة بأن شخصيتي “المستحدثة” هي التي جعلت توصياتي تلقى التأييد. ولعل تكويني الأنثوي وليس كوني أمرأة هو ما عزز من تأثيري؟ فانا بالتأكيد لم احاول ان ابدو في مظهري كالرجل، فقلما ارتديت البدلة الرسمية في العمل، مفضلة على ذلك المظهر الناعم والمفعم بالألوان. ولكنني في ذات الوقت لم اكن مثيرة بشكل جريء بل تصرفت كأنثى مختلفة بحكم الواقع عن الرجل. اختلفت بنبرة صوتي اثناء الحديث عمن حولي في الغرفة واستطعت في البداية ان أشد انتباه المستمعين من خلال التدخل في الحوار وفي وقت لاحق بتأثير الاحترام. كما تمكنت من بناء العلاقات المهنية دون اللجوء الى اسلوب المزاح في غير مكانه. فما الذي سيجعل من شخص ولد في تكساس مثلاً ان يخوض في غمار حديث يتعلق بكرة القدم الاوروبية، أو كيف لي ان ادفع بشخص هولندي للتحدث عن كرة القدم الامريكية؟ لم ارغب في ان تعوقني تلك الاساليب النمطية التي يزخر بها عالم المؤسسات. ولعدم وجود أسبقية للإناث في كثير من المناصب حصلت على الافضلية.

تمت ترقيتي لمنصب “مدير” في عام 2013 تقديراً لجهودي ولانني جديرة بالثقة كما علمت. لكنني أؤمن كذلك بان كوني أمرأة قد أهّلني لنيل هكذا ترقية. فالمرأة لها قدرة فطرية على استقصاء التناغم في العمل وبمقدورها استنباط المعاني من لغة الجسد كما انها قادرة على تحقيق التوازن بين العمل والحياة بما في ذلك العائلة والعيش الرغيد. وتساعد هذه العوامل بمجملها على تطوير حس الثقة المتبادلة والانفتاح العقلي ضمن فريق عملي وهي صفات أقدّرها في القادة الذين اتطلع اليهم وأتمثل بهم دوماً من كلا الجنسين.

التوازن بين الجنسين في محيط العمل

التوازن بين الجنسين في محيط العمل

ساعد تطور النظام المؤسساتي على نمو الوعي حول تقدير قيمة العمل ضمن “الفريق المختلط” لتحقيق الاهداف المرجوة. أما من ناحيتي فلم اعد أؤمن بان الفريق المختلط يعني تجانس القوى العاملة او الاعراق والثقافات والاديان ضمن بيئة معتدلة. برأيي ان التباين هو وسيلة النجاح الوظيفي. ففي حين تمتلئ المؤسسات الربحية بالقيم الذكورية، يبقى هناك متسع لظهور الخصائص الانثوية في قاعات الاجتماع ومجالس الادارة. وسوف تستمر المرأة في التميز في عالم العمل والاستفادة مما يقدمه ذلك لها من ميزات.

المحرر: اوضحت دراسة أجرتها سارة أليسون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيامؤخراً ان التحول من بيئة عمل ذات سيادة ذكورية او انثوية مطلقة الى بيئة متعادلة تحتوي كلا الجنسين من شأنه ان يزيد من العائدات بنسبة حوالي 41 بالمئة. 

Leave a Reply

Translate »