عقدة “باربي” في عالم العمل

بقلم: كريمة هميمسا

كريمة

شعرت في عطلة نهاية الاسبوع الماضي بصدمة كبيرة حينما رفعت ابنتي ذات الستة عشر ربيعا عينيها نحوي من على حاسوبها المحمول لتخبرني بانها قد أشترت عبر شبكة الانترنت عدسات لاصقة لجعل عينيها الخضراوين المائلة الى البني اكثر خضرة، الامر الذي حثني على الرجوع الى مكتبتي لعلي اجد مرجعا يرشدني حول أفضل الاساليب لتنشئة الابناء في سن المراهقة، فتلك بطبيعة الحال هي المطالعات الاساسية لدى كافة الآباء. تتلخص النصيحة الاولية التي أشار اليها أحد الكتب بالسماح لمن هم في سن المراهقة بتجربة الاشياء، خاصة اذا لم يستدع الامر تدخلا مباشرا من الشخص البالغ وفقا لتقديراته. الامر الذي دفعني الى التفكير مليا، ففي الواقع لست ممن يعارضون التعديلات التجميلية ولكن هذا لا يعني بانني ادرك لم قد ترغب صغيرتي الجميلة في تغطية عينيها بتلك العدسات البلاستيكية المرنة. هل سيجعلها ذلك اكثر جمالا؟ قطعا لا.  وبأخذ ذلك بنظر الاعتبار، شعرت برغبة في استكشاف اسباب الميل المتزايد نحو الجمال الخارجي المصطنع للمرأة كمقياس لذاتها – لا سيما المرأة في مجال العمل.

يعد جمال المرأة في غاية الاهمية في العالم العربي. فإلى جانب الثقة بالنفس والتعليم الجيد والسلوك المهذب، تمتلك النساء العربيات حافزا كبيرا لبلوغ الصورة المثالية للجمال. حيث يستحوذ على المرأة العربية هاجس المظهر الخارجي المتكامل كما انها تهتم الى حد كبير بآخر صيحات الموضة. فهي تعشق الاكثار من وضع مساحيق التجميل والعطور، ولكن أليس الارتقاء الى المستوى الامثل للجمال من شأنه ان يولد تداعيات سلبية في عالم العمل الذي يتطلب الشفافية والمصداقية؟

(المحرر: بطبيعة الحال فان البديل الامثل هو باعتماد الحجاب وأغطية اخرى سواء أكان ذلك لأسباب دينية او غيرها فمن شأن ذلك مساعدة المرأة على التحرر من قيود هاجس المظهر الخارجي.)

لقد مهدت الانشطة الاجتماعية والسياسية الحيوية التي نجمت عن الثورات العربية الاخيرة الطريق لحضور نسوي اكثر قوة في المجتمع والحكومة وتزايد عدد النساء العاملات في مختلف القطاعات حيث تعمل حاليا واحدة من كل اربع نساء خارج منازلهن. ولكن تبقى المجتمعات العربية ذات طابع محافظ بشكل واسع النطاق. فهل ستعزز التغييرات التي طرأت على المجتمع مفهوم الجمال في نطاق العمل مستقبلا؟

إن الولع الشديد بالمظهر الخارجي يدفع بالعديد من النساء الى اللجوء للعمليات التجميلية مثل شد الوجه وتجميل الانف وشفط الدهون حيث اصبحت الجراحات التجميلية اكثر رواجا بمرور الوقت. ووفقا لاحصائيات الجراحة التجميلية يأتي ترتيب لبنان في مقدمة الدول العربية التي يفوق فيها عدد الجراحات التجميلية بلدانا اخرى كالبرازيل وفنزويلا بوصفه البلد الاعلى من حيث معدلات الجراحة التجميلية حيث تخضع واحدة من كل ثلاث نساء لمثل تلك العمليات. ولا تزال فنزويلا تتربع على عرش الجمال كونها البلد الاكثر فوزا بعدد ألقاب الجمال. وعمليا تخضع النساء العربيات من الطبقة الثرية بشكل خاص لعمليات التجميل بشكل متزايد ولا يخفين ذلك. على سبيل المثال لا الحصر توصف المغنية المعروفة هيفاء وهبي بأنها من أجمل النساء العربيات وفقا لمجلة الناس العالمية (بيبول)، ولا تزال تمثل رمزا للجمال بعمر الثامنة والثلاثين بالنسبة للكثير من النساء.

ولطالما استحوذ الجمال وديمومته على مخيلة العرب. فما هو تعريف الجمال وفقا للتقاليد العربية؟ قد نجد جوابا لهذا التساؤل في المأثور الشعبي وفي القصائد العربية للشاعر العربي الجاهلي أمرؤ القيس، فالمرأة الجميلة في قصائده هي ذات قد ممشوق وخصر رشيق، وعينين كحيلتي الطرف ذات رموش طويلة، دقيقة الانف حمراء الشفتين وذات شعر اسود وافر ومتدفق. لم يتعين على المرأة في تلك الازمان ان تكون جميلة فحسب بل كانت كذلك تحرص على ان تظهر بكامل الصحة والمكانة الاجتماعية المرموقة.

هيفاء وهبي

أنا أؤمن بالجمال الطبيعي للمرأة. واعتقد بأن المرأة العربية هي من بين النساء الاكثر جمالا على وجه الارض، ذلك لان لديها طقوسها الخاصة للمحافظة على جمالها حتى عند كبر سنها. ومن الجلي ان المرأة العربية تمتلك نهجا كاملا لتغذية متكاملة تشمل العقل والجسد في آن.

على سبيل المثال، نجد في المطبخ العربي الذي يعد من المطابخ الصحية والمتنوعة عموما، الكثير من العناصر التي من شأنها زيادة الجمال والمحافظة عليه كاستهلاك كميات أقل من اللحوم الحمراء والاستعاضة عنها بالكثير من الخضروات والحبوب والاعشاب والتوابل والفواكة والمكسرات. وأحدى أهم المكسرات واكثرها صحة هي اللوز. فهو غني بالفيتامينات والمعادن وله العديد من الفوائد الغذائية للقلب والمخ والجهاز الهضمي. كما تعد التمور من الاغذية  المألوفة ضمن المطبخ العربي لاحتوائها على العديد من العناصر الغذائية كالبوتاسيوم والمغنيسيوم وفيتامين B6 بالاضافة الى احتوائه على الكثير من الالياف والحديد وفيتامين C والنحاس والكالسيوم. كما تعد المادة الملونة التي يحتويها التمر عنصرا طبيعيا للتقليل من الالتهابات.

وللعديد من التوابل الشائعة الاستعمال في المطبخ العربي كالكركم والكزبرة والزنجبيل والزعفران والقرفة مثلا خصائص طبية. أما البقوليات كالحمص والعدس فلها مكانتها في المطبخ العربي لمميزاتها الصحية، فهي تحتوي على نسبة قليلة من الدهون والكاربوهيدرات يقابلها نسبة عالية من البروتين والحديد وفيتامين B كبديل ممتاز للحوم الحمراء. كما يعد المذاق الطبيعي الحلو للعسل اكثر صحة من السكر حيث يستخدم على نطاق واسع. ويعد الشاي كذلك من المشروبات الشائعة في المطبخ العربي وخاصة العشبي منه لاحتوائه على الكثير من الخصائص المفيدة للجسم. بالاضافة الى التغذية الصحية فقد اعتادت المرأة العربية على ارتياد المنتجعات الصحية او الحمامات طلبا للاسترخاء والراحة ولتنقية الجسم من السموم وللحصول على مزاج جيد وبشرة نضرة.

وعلى الرغم من ان الميول والنزعات المختلفة منها ما يظل ومنها ما يزول، فأنا على يقين من ان الافتتان بهيفاء وهبي سيستمر طويلا، فيما اذا ازداد الاهتمام في تحري معنى الجمال الحقيقي فإننا سوف نهتم بدرجة اقل بالجمال المبالغ فيه. فلو كان في مقدورنا التعبير عن ذاتنا الحقيقية في البيت ومحيط العمل بجدارة ومن غير مبالغة، سنصبح بالتاكيد اكثر فاعلية عموما. من المهم الحفاظ على التوازن والاستفادة مما وهبته لنا الطبيعة الذي هو برأيي افضل الطرق للانطلاق بحياة سعيدة. وبرأيي الشخصي المتواضع اعتبر الملكة رانيا من اجمل النساء العربيات ذوات الجمال التقليدي بالاضافة الى أبنتي طبعا!

Leave a Reply