هناء صادق: يجب أن يُنصب تمثال لكل إمرأة عراقية

هناء صادق سفيرة الأزياء العربية

هناء صادق سفيرة الأزياء العربية

حاورتها: سناء بكّي

سفيرة الأزياء العربية.. هناء صادق.. هي أول من أدخل الحرف العربي على الأزياء العصرية، فمزجت الفن والتراث العربي في تصميم الأزياء.. جمعت تصاميمها بين الأصالة والحداثة.. واستطاعت أن تبرز للعالم جمال القفطان والعباءة العربية.. أُعجبت عاصمة الموضة روما بتصاميمها التي تبرز جمال وسحر المرأة دون الكشف عن جسدها فلقبتها إيطاليا بـ”سفيرة الأزياء العربية”. درست الأدب الفرنسي بالإضافة إلى الفن التشكيلي والذي تلقته على أيدي كبار الفنانين العراقيين الرواد.. ثم تخصصت في تصميم الأزياء والرسم على النسيج في باريس.. وكتبت عدة مؤلفات عن الحلي والأزياء العربية.

سيرة هناء المتميزة تحكي قصة نجاح إمرأة عراقية.. استطاعت تعريف العالم بثقافة الأزياء التراثية العربية وبأسلوب عصري، وأوجدت بيئة ملائمة لنمو وتطوير عملها.. فحازت على العديد من الجوائز العالمية.. كرمتها منظمة اليونيسكو لأعمالها التي تحفظ ثقافة وتراث بلدها بطريقة عصرية.

التقيتُ هناء في عمّان لأحاورها عن نجاحاتها وريادتها في عالم الموضة، وبما أن موضوع عددنا هذا يناقش البيئة الملائمة للنمو والتطور، سألتها عن العوامل التي قادتها لتحقق هذه النجاحات في عملها.. فكان حوارنا غني المحتوى.

ولأننا نفتخر بكل امرأة عراقية رائدة في مجال عملها، آثرنا ان تزين هناء صادق غلاف العدد الثاني لمجلة”نينا” وقمنا بنشر مقتطفات من اللقاء عبر صفحات العدد، وها هو اللقاء الكامل كما وعدنا قراءنا الكرام.

نينا مجلة المرأة العراقية

غلاف العدد الثاني من “نينا”

في بداية اللقاء تحدثت هناء عن ثلاثة رجال كانوا وراء نجاحها فتقول:

أعتبر نفسي محظوظة لأنني قضيت طفولة مدللة جداً في كنف والدين كنت البكر لهما والإبنة الوحيدة لشقيقين، حتى أن الجميع كان يطلق على والدي ولعدة سنوات إسم “أبو هناء” وهذا غير مألوف لدينا في العراق.. محظوظة لأنني تربيت في كنف والد مؤمن بحرية المرأة، فكره متقدما عن عصره ومنفتحا نحو الحداثة،. كان والدي يقول لنا إذا استطعت أن أربّي فيكم الضميرالحي فهذا أهم من أي تعاليم أخرى.

لقد زرع والدي فيّ الثقة بالنفس وكنت أتقبل أي انتقاد من الغير، كان يقول لي أنهم ينتقدونك لأنك انسانة مميزة ومهمة. كان يعلمني ألا أكترث لهؤلاء وأن أواصل طريقي. لم نتربَ أنا وأخوتي على أي نوع من أنواع الفوارق بين الجنسين لذلك كانت نشأتي منطلقة وخالية من التعقيدات.

حتى فترة المراهقة، والتي هي بحد ذاتها فترة حساسة لدى الفتى والفتاة سواسية، وبالأخص لدى الفتاة في مجتمعنا العربي المحافظ حيث تُربى على العيب والحرام، والتي هي أسهل طريقة للتربية دون تفسير معمق للامور. بالنسبة لي كانت نشأتي مختلفة ومنفتحة، فجميع الأمور كانت واضحة ومفسرة تفسيراً سليماً من قبل والديّ دون ردع أو تخويف. وهذا ما ساعدني كثيراً عندما سافرت للدراسة في باريس فكان انتقالي إلى فرنسا أمراً سلساً بالنسبة لي رغم اختلاف عادات وتقاليد شعبها وذلك بسبب أسلوب التربية التي تلقيتها من والديّ.

كما أن والدي كان الداعم الأول لموهبتي في الرسم وعمل على تنميتها. فكان يحرص على شراء كل مستلزمات الرسم لي وخصص لي مرسماً في منزلنا.

وأتذكر انني فزت في مسابقة للرسم على مستوى الطلبة فأهداني حينها مدير المعارف علبة ألوان زيتية. لا يمكن أن أنسى تأثير هذه الجائزة في نفسي حيث عرفت حينها أسلوباً جديداً للرسم بهذه الألوان ولم أكتف بها للرسم على الورق. وأتذكر حادثة طريفة جداً، حيث كان والدي من محبي أم كلثوم وكان يحرص على الاحتفاظ بكل اسطواناتها. وذات يوم أنتقيت وبشكل عشوائي إحدى هذه الاسطوانات ورسمت عليها بهذه الألوان. وعندما رآها والدي دهش وقال لي: انت فنانة موهوبة، من يخطر بباله الرسم على أسطوانة!”.

لذا فأنا أكّن كل الامتنان في مسيرتي ونجاحاتي التي حققتها لثلاثة رجال هم: والدي وشقيقي اللذان منحاني الثقة بالنفس، ولزوجي الذي كان له الفضل الكبير في مساندتي لمواصلة دراستي في فرنسا رغم أنني حينها كنت زوجة وأم، فلم يمنعني الزواج والأطفال من طلب المزيد من العلم.

قاطعتها قائلة: إذن بدايتك كانت من خلال موهبة إكتشفها الوالد، أرى الكثير الآن من المواهب العراقية والعربية الكامنة. إلى ماذا تحتاج هذه المواهب لتنمو وتنطلق؟

ان الشباب في سن المراهقة يواجهون تحديات سببها الرغبة في إثبات الذات والاستقلالية، لذا يأتي هنا دورالأسرة والمدرسة معاً في توفير البيئة الملائمة لتنمية الشخصية السليمة وصقل المواهب لتنمو وتنطلق. ولهذا نجد أن الكثير من المواهب العراقية تتفجر وتبدع في بلاد الغرب نتيجة لتوفر الظروف والبيئة السليمة والمدعومة من قبل الأهل والمدارس وأيضا المؤسسات المعنية.

بالنسبة لي، كنت محظوظة لأنني تلقيت الدعم من  مدرستي بالاضافة لأسرتي، حيث كانت المعلمات حريصات على تنمية موهبة الرسم لدي بحيث كان يسمح لي أن استبدل درس الرياضة، الذي لا استسيغه، بالذهاب إلى المرسم حيث اقضي الوقت بالرسم.

ان التعليم والمناهج المتبعة في العراق الآن مختلفة كلياً عن المناهج التي عاصرناها سابقاً. نحن بحاجة ماسة حالياً إلى مناهج منفتحة تعمل على تطوير الفكر والذات. فالشعب العراقي شعب مميز جداً محب للتعلم وشغوف بالقراءة ولديه الكثير من القدرة والطاقة للاستيعاب، ومن خلال مناهج جديدة معاصرة سيكون لدينا مبدعون وعباقرة.

عفوا ما تذكرينه عن شغف القراءة لدى العراقيين يذكرني بمقولة قديمة “مصر تكتب لبنان يطبع والعراق يقرأ”.. فتؤيدني المقولة لتعود بذكرياتها وتستكمل حديثها عن التراث والمسرح العراقي ومقوماته

منذ صغري لدي حب للتراث فعند زيارتنا للنجف كنت دائما احرص على رؤية “التشابيه” لأنه يشكل بالنسبة لي مسرحا مفتوحا. كنت استمتع كثيرا بعروض “الواقعة” حيث الملابس الجميلة والخيل المدرب على السقوط والوقوف. هذه الصور والحركات الحية كانت أشبه بالمسرح الكبير والمفتوح، نجد فيها جميع مقومات الفن المسرحي من أداء وأزياء وفن.

كما كان لديّ شغف بالمسرح وكنت احرص منذ الصغر على حضور العروض المسرحية مع والدي .لقد نشأنا على مسرح ومدرسة الكبير يوسف العاني.

 

وتنتقل هناء في ذكرياتها لتصف جمال جدتها التي ترى فيها تفاصيل جمال المرأة العراقية بزيها ومظهرها والذي كان وراء شغفها بتصميم الأزياء، فتقول

زمننا كان جميلاً حيث تميز بالأسرة الواحدة والتي تضم مختلف الأجيال تقطن بيتاً واحداً. هذه التركيبة أتاحت لنا الفرصة بأن نستمد من الجيل القديم، الكثير من الارث التراثي والحضاري فقد عشت في أجواء أسرية كانت فيها العائلة تتكون من الأب والأم بالإضافة إلى الجد والجدة. هذه التركيبة سنحت لي أن أعاصر جدتي ورأيت فيها تفاصيل المرأة الجميلة التي تهتم بمظهرها. أحببت كثيرا لباسها “الهاشمي والشرغد والشيلة والعباية”. العباءة بتصميمها وطريقة ارتداءها أسرتني في طفولتي حتى أنني كنت أطالب جدتي بإرتداء العباءة تقليداً لها في اي زيارة لنا “للحضرة” في كربلاء، وأذكر انه عند انتهاء الزيارة كانت جدتي تحاول ان تأخذها مني لكنني كنت أصر على عدم خلعها.

كما انني عاصرت جيل الهيبيز فكنت اراقب زيهم الفضفاض وألوان ملابسهم المتنوعة، وفي احدى المرات، استوحيت من تصاميمهم أسلوبا جديدا لخياطة “العليقة” (الشنطة) مثلاً. استذكر في هذا السياق حادثة طريفة. كما تعلمين فان العليقة عادة تصنع من الجلد ولكنني احببت ان امزج في خياطتها قطعة من القماش كانت لدي وهي تحوي تطريزا ذي تصماميم قديمة وكل ما كان ينقصني هي قطعة الجلد. فقمت بقص معطف جلد كان لوالدي وصنعت العليقة. جميع افراد اسرتي اعجبوا بها. ولم يفكر احد منهم من اين أتيت بقطعة الجلد الى ان حل الشتاء ليرتدي والدي معطفه، وقف مندهشا ينظر في المرآة ويقول لوالدتي: هل زدتُ طولاً أم ان المعطف زاد قصراً!

هل كنت بطبعك متذمرة وخارجة عن المألوف!

انا بطبعي انسانة متقبلة للحداثة ولديّ طاقة للتغيير. منذ الصغر كنت أتحلى بهذه الشخصية، فمثلاً في مرة طليت اظافري باللون الاسود، مع العلم انه لم يكن هناك في وقتها طلاء للأظافر بهذا اللون، لكني استعملت ألوان الرسم خاصتي. وأصبح الجميع يسألني لماذا اللون الاسود؟ فأجيبهم ولماذا اللون الاحمر، استطيع أن استعمل اي لون اريد. أعتبر ان هذه كانت بداية من بدايات التذمر على السائد والخط المرسوم لنا. ولا أنسى أبداً كيف رشقني أحدهم بالحجارة وانا في زيارة الى منطقة ريفية لأنني كنت ارتدي بنطلون الجارلستون حيث كنت من الاوائل اللواتي ارتدينه.

إذاً لجدتك تأثير على تصميماتك المتميزة، فكيف كانت بداياتك ومن ثم انطلاقتك الى العالمية

أنا أول من أدخل الحرف العربي في تصميم الأزياء. في البداية شكلت تصاميمي حيرة لدى البعض إلى أن بدأت طبقة من المثقفين تهتم بهذا النوع من الأزياء وبدأت النساء ترتدي تصاميمي تدريجياً وأستطعت أن أبني الثقة في نفوس عميلاتي فأصبحن يثقن بتصاميمي حتى أن ملكات وأميرات ومشاهير أصبحن يرتدين من أزيائي.

بدأت عملي في تصميم الأزياء في الأردن دافعي كان الحاجة مادية، والحاجة تعطي الدافع للإبداع. عملت باصرار لأصل إلى النجاح الذي أحلم به. إيماني وثقتي بموهبتي رسما لي الطريق إلى النجاح. وجاء لقائي الاول مع الملكة نور في مهرجان جرش في العام 1982 عندما لفت نظرها عباية من تصميمي ارتديتها في المهرجان فقدمت لي الدعم الكبير.  لقد كان هذا اللقاء عاملاً في توسيع عملي وازدهاره.

 وكان عملي الدؤوب واصراري على النجاح عاملان أساسيان في انطلاقتي الى العالمية، فتمكنت من أن أبرز جمال العباية والقفطان بجمالهما الأصلي وليس لغاية تجارية، لأن هدفي بالأساس هو نشر ثقافة الأزياء التراثية العربية إلى العالم أجمع.

وحصلت على عدة جوائز عالمية، كما تم توجيه دعوة لي من قبل اليونيسكو، التي نظمت حينها مؤتمراً في باريس، حيث تم تكريمي خلاله نظراً لتصاميمي التي تحافظ على الارث الثقافي والحضاري بطريقة عصرية. كان اغلب الحضور من الاكاديميين، فطُلب مني إلقاء محاضرة عن تصاميمي التي وصفوها بأن كل قطعة تحكي تاريخاً وليست مجرد تصميم جميل.

أما فوزي بالجائزة الذهبية في روما فلقد كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لي، خصوصاً في ظل وجود الكثير من العروض الجميلة حينها.  وعلل الايطاليون سبب فوزي حينها بالقول ” لقد تعرفنا  من خلال ازياءك على نوع جديد من الفولكلور اعتقدنا اننا لن نجده الا في المتاحف”.  ومن خلال تصميماتي نجحت أيضا  بالترويج للسياحة لمنطقتنا بحيث أصبح لديهم الرغبة والشغف لزيارة بلادنا والتعرف على مجتمعاتنا.

وفي السياق نفسه، قال لي عمدة روما حينها، ان فوزي بالجائزة جاء لكون أزيائي تبرز جمال المرأة دون الكشف عن مساحات كبيرة من جسمها وبتصاميم عصرية وجميلة.. ولهذا تم منحي لقب “سفيرة الازياء العربية”.

وفي هذا الصدد، تتطرق هناء الى حضارة الأزياء واختراع النسيج وتلوينه فتقول:

ان اختراع النسيج وتطوره عبر الزمن يعتبر بحد ذاته  جزءا لا يتجزء من ثقافتنا وحضارتنا المتكاملة. فالأشغال التي لامست هذا النسيج والقصات وإدخال الألوان المختلفة له ما هي إلا دلالات على ثقافات وحضارات مختلفة. فالنسيج الذي استعمله المصريون القدامى كان لونه ابيضا حتى استطاع الانسان تطوير ومزج الالوان فيه لنحصل على الجمالية في الأزياء التي نرتديها اليوم.وتشير هنا الى افتقادنا الى ما يوثق هذه الحضارة على خلاف متاحف فرنسا التي تحكي حضارات بلداننا وحضارات آسيا اجمع. وتضيف ان متاحف باريس تحكي تاريخ الازياء والأقمشة وحتى أنواع الحشرات الموجودة في كل انحاء العالم بحيث لا يحتاج الشخص للسفر الى هذه البلدان للتعرف على حضاراتها.

كما تؤكد هناء على اهمية  فن تصميم الازياء كعلم بحد ذاته  والذي يجب ان يحرص من يمارسه على التخصص في مجال معين ليحقق الابداع في عمله، كما  هو الحال في علم الهندسة والطب. وتستطرد : ان التخصص يحقق النجاح تجارياً فلا يمكن ان أجمع بين فن تصميم أزياء الاطفال والنساء والرجال في الوقت نفسه. لأن هذا لن يوصلني الى الإبداع.

كما تدعو الى  الحاجة للنقد المتخصص والبنّاء في دولنا العربية فيما يخص فن تصميم الازياء. تقول ان العبرة منه

ليس  النقد لمجرد النقد او الهدم، فالنقد البناء يتفحص التفاصيل ويظهر الخطأ حتى لا نقع فيه ومن هنا نتطور ويتطور عملنا معنا.

وتضيف: كثيراً ما اسمع كلمات الإطراء والأصداء الجميلة خلال عرضي لأي تشكيلة جديدة. قد ترضي هذه الكلمات غروري كإنسانة لكنها لا تقدم لي الجديد. اتحلى بآذان صاغية للناقدين لعملي ونصائحهم لي ما دام نقدمهم غايته بنّاءة. وأذكر ان احد النقاد في باريس قال لي ان التفاصيل الكثيرة في ازيائي جعلته يركز على التصميم بحيث انه لم يلتفت الى جمال المرأة بحد ذاتها، استفدت من هذا النقد فعملت على زيادة التفاصيل في الاجزاء التي تود المرأة اخفائها.

وتؤكد هناء في هذا السياق ان الشخص الذي يتقبل النقد البناء يعمل على تطويرعمله وبالتالي يفتح المجال للأفكار الخلاقة.

وبكرم الضيافة المعروف لدى العراقيين، أصرت هناء أن نتوقف عن الحوار قليلاً لنشرب فنجاناً من القهوة، لتعود وتستكمل حديثها عن رأيها بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة فقالت:

أنا اؤمن بالمساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، لكنني أؤكد على ضرورة أن يكون هناك فوارق بينهما في التصرف والمظهر، على المرأة أن تكون أنثى بكل ما للكلمة من معنى.

أنا عضوة فاعلة في عدة منظمات حقوقية نسائية هنا في الأردن، أدافع عن حقوق المرأة وأحارب من أجلها. ليس لأنني كنت مظلومة من قبل الرجل، بل لأنني أشعر أن المرأة العربية لديها الكثير من الحرمان. فمثلاً وبسبب الظروف الإقتصادية الصعبة يفضل الأهل الإنفاق على تعليم الإبن بدل الإبنة.

وبرأيي أن التكنولوجيا هي التي منحت الحرية للمرأة وليس مجتمعها، وأعطتها المساحة لتعمل على تطوير ذاتها وفكرها، بداية من استعمالها للغسالة بدلاً من الغسيل باليد أو الغاز بدلاً من استعمال الحطب لوقد النار.

كما أن الانترنت سمح لها بتجوال العالم وهي جالسة في بيتها. أما الرجل فللأسف وبسبب مجتمعنا الذي أعطاه الحرية والأولوية لم يبذل جهدأ لتطوير ذاته بعكس المرأة التي وبسبب العادات المفروضة من قبل مجتمعها جعلها تبذل كل طاقتها للتغيير.

لذا فإن تمكين المرأة هي من القضايا المهمة جداً بالنسة لي. إن المرأة المكتفية مادياً تختلف نظرتها لنفسها وكذلك نظرة الآخرين لها، ويكون لها فهم أعمق للخطأ من الصح.

فمثلاً النساء لهن الفضل الكبير في الجماليات الموجودة في أزيائنا العراقية والعربية. طبعاً لا أنكر إبداع رجالنا في صنع العباءة في الماضي مثلاً، لكنني اكتشفت أن من ينسج لهم القماش هن نساؤنا العراقيات. هؤلاء النساء اللواتي لديهن موهبة العمل اليدوي كان ممنوعاً عليهن العمل خارج منازلهن. وبدوري استفدت من هذه التجربة في عملي الآن في محاولة مني لتمكين نسائنا. فالكثير من النساء الاردنيات بالاضافة إلى العراقيات والسوريات المقيمات في الاردن واللواتي منعن من العمل خارج المنزل، يعملن معي في الخياطة والتطريز. عملنا كالمعزوفة الموسيقية. أنا المايسترو فيه، والسيدات من حولي يعملن في الخياطة والتطريز. هؤلاء النساء لهن الفضل الكبير على هناء صادق وما حققته من نجاحات فلولاهن وأيديهن الجميلة لما كانت هناء صادق.

استوقفتها لأسألها ماذا تعني ريادة المرأة لها فتجيب:

التعليم ليس كافياً لتصل المرأة إلى الريادة. بل علينا ايضا أن نبدع ونتميز في عملنا لنستحق أن يطلق علينا صفة رائدات. رائدة هي كلمة كبيرة جداً وأنا أجد أن الريادة ليست حصرية. كل امرأة هي رائدة في مجالها.. فالريادة قد تبدأ من المطبخ. 

أرض العراق معطاءة

وترسم هناء لوحة  لوطنها العراق وخيراته … أرضه المعطاءة وشعبه العريق فتقول:

إن حضارة العراق التي نفتخر بها لم تأتِ فقط من نتاج شعوبها القديمة، بل لأن الأرض بحد ذاتها كريمة ومعطاءة. تحضرني إحدى مسرحيات العاني التي صوّر فيها مدى عطاء هذه الارض بحيث أن أحد الكسالى كان مستلقياً تحت نخلة ينتظر أن يسقط التمر من النخلة إلى فمه.. هذا أروع وصف لأرض العراق الخيرة.

عذرا للمقاطعة، في عددنا  الثاني نستعرض أهمية البيئة الخضراء، فكيف تفسرين علاقة الأرض المعطاءة بالبيئة؟

ان العقل السليم في الجسم السليم. فشقيقي المتخصص في الهندسة كان شديد الحرص على ان يأكل غذاء صحي قبل بداية اي مشروع جديد لأنه كان يؤمن  بأن الغذاء السليم  سيوفر له فكراً سليما. ان الحواس الخمس هي نعمة يجب أن نستغلها بشكل صحيح. علينا أن نشم ونتذوق ونرى ونسمع ونلمس بطريقة سليمة وهذا لن يتوفر ما لم تتوفر لدينا بيئة خالية من التلوث والمواد الصناعية. فعند ملامسة القماش المصنوع من الحرير أو القطن الطبيعي يختلف احساسنا كلياً وبشكل ملحوظ عن ملامستنا للنايلون تلك المادة الغير طبيعية. هذه الصناعات التي أُدخلت عليها هذه المواد الغير طبيعية أثرت علينا وعلى الطبيعة بشكل سلبي.

ورغم كل المغريات التي حولنا ما زلت اشتهي أكلة التمر واللبن، أنها أكلة عراقية متكاملة ومغذية كان البعض يقتات عليها فقط ومن نتاج ارضنا المعطاءة.  هل تتخيلين ان إحدى صديقاتي، وهي اختصاصية تغذية، شرحت لي أنها طريقة ناجعة لغسل الأمعاء. هذه الوجبة هي نوع من أنواع إعادة تدوير والتخلص من السموم في الجسم ان توفر بيئة خضراء سليمة تقود إلى بداية إنسان جديد يتحلى بالجسم والعقل السليمين.

وتنهي هناء لقاءنا بغصة على وطنها العراق وعلى المرأة العراقية فتقول

سافرت كثيراً ولم أجد انصهاراً لمختلف أطياف المجتمع من أعراق وأديان متنوعة كما كان موجوداً في العراق.. ففيه نجد عرباً واكراداً وأتراكاً وتركمان وايرانيين.. منسوجين نسيجا جميلا “كالسدى واللُحمة” فأشبّه السدى بالأصول المتنوعة التي تعيش في العراق واللُحمة هي أرض العراق.

إن درب الآلام الذي يمر به العراق هو برأيي أقوى من أزمة فلسطين. فالشعب الفلسطيني تم الاعتداء عليه من قبل أيدي غريبة ولكن ما يحدث في العراق هو من صنع أيدينا. وأود ان اشير هنا الى انني قمت بعدة عروض خيرية في عدة دول عربية وغربية، ذهب ريعها الى اعمال انسانية بحتة في كل من العراق في وقت الحصار وإلى اطفال فلسطين. هدفي كان انساني ورسالتي كانت تسليط الضوء على مآسي شعوبنا وعلى حضارتنا الجميلة. 

أما المرأة العراقية فالضغوط جمة عليها وألمها مستمر فالفرح لديها قليل والألم كثير.. تتملكني غصة عليها وعلى وطني العراق.. وبرأيي أنه يجب أن ينصب تمثال لكل إمرأة عراقية.

وفي نهاية لقاءنا وجهت هناء دعوة عبر “نينا” إلى جميع النساء العراقيات باستعدادها لدعمهن من خلال تدريبهن ضمن عملها ليتمكنّ من التغلب على ظروفهن الاجتماعية والمادية والبدء برحلة جديدة في حياتهن وإنتاج أعمال توصل موهبتهن وموهبتها إلى العالم أجمع.

 

للاطلاع على الحوار المنشور في المجلة يرجى الضغط على  (العدد الثاني)

 

Leave a Reply