بناء الحياة لبنة تلو الأخرى.. حكاية أم عاملة: صراعي مع المرض ومع الحياة

new

 بقلم: كريمة

“في النهاية، تتغير الفصول.. وكذلك المدن. وفي كل يوم نتعرف على أناس يأتون ويرحلون. وكم نشعر بالارتياح عندما نعرف بأن من نحب هم دائما في قلوبنا، أو هم على مقربة رحلة طائرة ان كنا محظوظين”.

ولطالما ذكرني قول اقتبسته من مسلسلي التلفزيوني المفضل الذي كنت اشاهده منذ عشر سنوات بما أنا عليه اليوم وبالنعم التي اعيشها في هذه الرحلة التي ندعوها بالحياة. وليس مهماً كم سافرت وكم قطعت من مسافات، فأنت تأخذ تراثك معك دائما. يعرف البعض من الناس تماما ماذا يريد ان يصبح في المستقبل، بينما لا يعلم البعض الآخر حتى من اين يبدأ. لكن مهما كان الطريق الذي تختاره، فباستطاعتك ان تساعد من خلاله غيرك على تحسين حياتهم بالمثابرة والجد والتعلم وكذلك البدء من اسفل السلم.

ولدت في منتصف السبعينات من اب عربي وام هولندية. وكوني ترعرعت بين اربع اخوات استطيع ان اجزم بأنني لم اعرف الملل يوما. ولطالما ارشدنا والدي الى اهمية ان يكون المرء مستقلا بذاته، وضرورة ان يتمتع المرء بالفطنة ويحصل على التعليم ويحقق شيئا مهما في الحياة. وكان هذا هو الدرس الأهم الذي تعلمته ممن غادر بلاده ليبني حياة أفضل في قارة غربية. لقد كان والدي هو مثالي الأعلى الذي احتذيت به.

مثل اية فتاة في مرحلة الشباب المبكرة مررت بأوقات صعبة ولم اعرف حينها الى اي العالمين كنت انتمي، العالم الغربي ام الشرقي. بعد ان انهيت الدراسة الاعدادية، سافرت الى موناكو لأكتشف الحياة. حيث حصلت هناك على وظيفتي الاولى والتقيت بأناس جدد وتعرفت على ثقافات جديدة. كانت تجربة فريدة بحق، حيث التقيت بأناس رائعين واختبرت الحياة بعيدا عن الأسرة. وهكذا امتدت تلك التجربة من فترة قصيرة الى ثلاث سنوات أيقنت بعدها مدى حاجتي لأعود الى هولندا لأعاود دراستي لأنني عزمت على تحقيق المزيد في الحياة مثلما علمني والدي.

لقد حباني الله تعالى بإبنة رائعة وبحياة جميلة تتطلب العمل بجد في هولندا، كما انني ادرس الى اوقات متأخرة للحصول على شهادة عليا في الادارة والاتصالات. وبعد بضع سنوات من العيش في هولندا، استعدت روح المغامرة التي كانت تغمرني في طفولتي وقررت ان أبدأ تحدٍ جديد وان أبدأ حياة جديدة في اسبانيا! لطالما رغبت بالعيش هناك وقد راودني شعور بأن هذا هو الوقت المناسب.

التحقت ابنتي بمدرسة دولية تحسبا لعدم نجاحنا في العيش خارج هولندا. الا انني استطعت الحصول على وظيفة في شركة للنفط والغاز متعددة الجنسيات. بهذا كنت اعيش في بلد لا اعرف فيه احدا ولم اكن اتكلم لغته، لكنني كنت عازمة على تحقيق الهدف. في بادئ الامر، كان أشبه بمحاولة التشبث للبقاء ولكن سرعان ما حظيت بالكثير من النعم الواحدة تلو الاخرى في السنين التي تلت ذلك.

قابلت الكثير ممن وثقوا بقدراتي، وقد تعرفت على اربعة من أعز صديقاتي في اسبانيا. كن من خلفيات اجتماعية مختلفة لكنهن تمتعن بالارادة والايجابية والذكاء وألهمنني. كما اصبح مديري ناصحا رائعا لي وكان يصغي الى أفكاري حول تطوير انظمة جديدة لتحسين بيئة العمل ومستوى الادارة. وهكذا حققت الكثير، واضطررت لبذل التضحيات في بادئ الامر لكنني جنيت ثمارها مما جعلني شخصية مسؤولة وجديرة بالثقة.

انتقلت ضمن الشركة التي اعمل بها الى لندن بعد ثمان سنوات ومن ثم تسنمت منصبا جديدا في واحدة من اكبر شركات الاعلام عالميا. وجدت تحديا جديدا في هذا المنصب وبنيت شبكة تواصل جديدة. كانت ابنتي التي تبلغ من العمر ستة عشر عاما رائعة، تتقن خمس لغات بطلاقة وقد ربحت بطولة كرة الطائرة ولديها اصدقاء واقارب عبر انحاء العالم. ما الذي يمكن ان اتمناه اكثر من ذلك؟

مع بداية هذا الصيف، احسست بوعكة واجريت العديد من الفحوصات، واضطررت الى اجراء عملية جراحية لاستئصال ورم من معدتي. كان الامر من السوء بحيث تم تشخيص اصابتي بالسرطان، وانهار عالمي فجأة. لطالما اعتقدت بانني كنت اعيش حياتي بأقصى ما استطعت، لكنني الآن اشعر بشيء يدق بابي ويتملكني. احسست بأنني قد خدعت، كنت غاضبة وحزينة. فها انا أبدأ لتوي تحديا جديدا، لكنني أصدم بحقيقة المرض والصعوبات للمرة الاولى في حياتي. لقد وقف مديري الجديد في العمل الى جانبي وتمكنت من مواصلة العمل. عملت بالتزام وشعرت بالامتنان للمرونة التي قدمتها لي الشركة. كنت ارتب مواعيد المستشفى ضمن عملي اليومي. والآن اصبحت اصابتي بالسرطان تحت السيطرة، ويتوجب علي ان اخضع للفحص كل ثلاثة اشهر للتأكد من عدم نمو الورم ولتحديد نوع العلاج. ما زلت اعمل بجد واحاول ان اكون نموذجا لابنتي تحتذي به.

انا ممتنة للنعم التي حباني الله تعالى بها، لقد حصلت على التعليم وعشت في عدة بلدان وقابلت اشخاصا كانوا مصدرا للالهام ومدوا لي يد العون. والآن انا فخورة بتراثي وجنسيتي. ففي النهاية، كل امرئ يحقق الاهداف بطريقة قد تختلف جزئيا او كليا عن الآخر. ولا يمكنني ان افكر بما هو اروع من ذلك! فهنيئا للجميع!

Leave a Reply

Translate »