وجهات نظر من كردستان

الدكتورة زينب كايا، عادت مؤخرا من كردستان حيث كانت في رحلة عمل ميدانية الى اربيل والسليمانية للبحث في دور المنظمات الدولية في دعم الجهود الرامية إلى تعزيز وضع المرأة…. الدكتورة زينب تتحدث في هذا المقال عن انطباعاتها الاولى خلال رحلة بحثها.

بداية،  ومنذ حظر الطيران عام 1991، وبالأخص منذ انهيار نظام صدام حسين في عام 2003، كان التغيير في إقليم كردستان العراق درامياً وواسع النطاق. وقد اعتمدت حكومة إقليم كردستان باستمرار سياسة الباب المفتوح للمنظمات الدولية والبلدان الأخرى والشركات العالمية. ان التغيير السريع والدراماتيكي في إقليم كردستان بعد عام 2003، والحاجة إلى إعادة بناء المنطقة، وايضا الاستعداد الكامل  لتتضمن عملية التغيير والتطوير هذه، مختلف الجهات الدولية الفاعلة،  يجعل من هذه المنطقة حالة مثيرة للاهتمام، بشكل خاص، في استكشاف ودراسة العلاقات بين الحكومات المحلية والجهات الفاعلة الدولية وذلك في سياق بناء المؤسسات.

ان البحث الذي قمت به من خلال جامعة “لندن سكول اوف ايكونومي – مركز الشرق الأوسط ” (LSE – Middle East) وبالتعاون مع الجامعة الأمريكية في دبي، يتحدث عن قضايا المرأة في اقليم كردستان ويدرس تأثير المنظمات الدولية في تعزيز مكانة المرأة. حيث توفر هذه المنطقة ارضا خصبة لا تقدر بثمن لدراسة قضايا مميزة  فيما يخص إدماج المرأة في المجتمعات الديمقراطية الحديثة… مجتمعات ما بعد حالة الصراعات والحروب.

خلال لقائي مع تايجا راشد، رئيسة حماية الحقوق القانونية وحقوق الانسان في اقليم كردستان

خلال لقائي مع تايجا راشد، رئيسة حماية الحقوق القانونية وحقوق الانسان في اقليم كردستان

لقد التقيت خلال زيارتي بمجموعة من النواب النساء، ورئيس دائرة العلاقات الخارجية فلاح مصطفى، ورئيس المجلس الأعلى لشؤون المرأة، باكشانزنكنة. كما التقيت أيضا مع الموظفين والمحاميين العاملين في المنظمات الدولية، بما في ذلك لجنة الأمم المتحدة للمرأة  (UN Women )، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP )، لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة (UN Human Rights )، يونامي (UNAMI)، وكذلك لجنة الإنقاذ الدولية ومؤسسة ويستمنستر للديمقراطية. وأخيرا، التقيت ايضاً مع الموظفين العاملين في منظمات المجتمع المدني الرئيسية.

وبعد أن عدت إلى محيطي المألوف في الجامعة بـ”لندن سكول اوف ايكونومي”، أجد انه قد حان الوقت المناسب لعرض بعض النتائج الاولية للبحث التي قمت به وكذلك عن تجربتي في البحث الميداني بإقليم كردستان العراق.

وهنا اود ان اشير الى ان حجم التغيير في القوانين الأساسية المتعلقة بالمرأة في الساحة الاجتماعية والسياسية كانت هائلة في الاقليم منذ عام 2003. ولعل أهمها كان التغيير في قانون الأحوال الشخصية في عام 2008 والذي سعى الى تحسين وضع المرأة فيما يتعلق بالزواج والطلاق والميراث. كما صدرت تشريعات بالغة الأهمية عام 2011 فيما يخص قانون العنف الأسري، والتي سنت قوانين خصصت من خلالها السبل لمساعدة الضحايا ومساءلة الجناة. كما قام البرلمان الكردي المحلي بزيادة المقاعد المخصصة للاعضاء النساء (الكوتا) من 25٪ إلى 30٪ (نسبة عدد مقاعد الكوتا في البرلمان العراقي ما زالت 25% ). وتم حظر ختان الأعضاء التناسلية للإناث في 2011. وأخيرا، أطلقت حكومة إقليم كردستان عام 2012 “المجلس الأعلى لشؤون المرأة” والذي من مهامه الرئيسية مواصلة تعزيز وضع المرأة الكردية، وتقديم المشورة للحكومة بشأن السياسات الرئيسية ذات الصلة، ووضع استراتيجيات للحكومة ووزاراتها حول قضايا المرأة.

ورغم التغييرات الكبيرة التي جرت فيما يخص وضع المرأة والخطوات المهمة التي اتخذت لتعزيز مكانتها في المجتمع خلال السنوات الماضية، الا ان مسؤولين في الامم المتحدة وممثلين عن المنظمات النسائية ومحامين أكدوا لي أن وضع المرأة في المجتمع يمكن اعتباره ضعيفا وهناك العديد من القضايا المعلقة والشائكة فيما يتعلق  باجراءات تنفيذ التشريعات الجديدة والقوانين خصوصا من جهة القضاة والشرطة. فعلى سبيل المثال، لا تزال تتعرض النساء الى العنف المنزلي بمعدلات عالية نسبيا وكذلك الى التمييز بشكل كبير. كما لا تزال جرائم الشرف موجودة، وهناك ارتفاع في معدل الانتحار بين الإناث. وما زالت حالات التضحية بالنفس من اجل مبدأ ما تسجل لديهم، بالاضافة الى حالات ختان الأعضاء التناسلية للإناث.

وخلال لقاءاتي مع المختصين، ظهرت في الافق نقطتان رئيسيتان مثيرتين للجدل بما يتعلق بعجلة التغييرات في وضع ومكانة المرأة ودور الجهات الدولية الفاعلة:

أولا، هناك مناقشات جارية حول سرعة التنفيذ. ان الوضع الشائك فيما يخص تعزيز وترسيخ وضع المرأة في المجتمع  في اوساط اجتماعية تسودها التقاليد والعادات، يعرقل جهود “الجهات الرئيسية الفاعلة” في مواجهة التحديات الراهنة. وغالبا ما تتداخل نظرة المجتمع التقليدية هذه في النظام السياسي، ونظام التعليم، والتصورات الاجتماعية التقليدية حول دور الجنسين، والعلاقات الاقتصادية والدين. وعلى الرغم من الرغبة في رؤية عجلة التغيير تتحرك بسرعة، فان العديد من المحللين يرون أن وتيرة التغيير لا يمكن ان تأخذ مجراها الا تدريجياً خصوصا وان النظرة التقليدية لقضايا المرأة هي متأصلة وذات جذور عميقة. ومع ذلك، فان عدد كبير من المسؤلين يعتقدون أنه لا يتم ممارسة الضغط  على  حكومة إقليم كردستان بالقدر الكافي لكي تقوم بتنفيذ هذه القوانين والتشريعات، كما ان بعض المنظمات والمؤسسات الدولية غادرت ولم يعد لها حضوراً نظرا لحالة الاستقرار السياسي التي سادت الاقليم. تجدر الإشارة هنا الى انه ما زالت العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية مستمرة في العمل من خلال المنظمات المحلية وبعثة الأمم المتحدة للمرأة ويونامي، وهي تعمل بنشاط مع الفرق السياسية والعديد من قطاعات المجتمع المدني.

اما المحور الثاني المثير للنقاش حول ما إذا كانت الحكومة تقوم بتحديد أولوياتها بشكل مناسب في اتباع السياسات الصحيحة. ان السؤال الذي يفرض نفسه ومثار الجدل هو هل يجب ان  تُعطى الاولوية للاحداث الجارية على الساحة والتي تهدد حياة المواطنين بصورة كبيرة… على حساب قضايا الحياة اليومية، مثل الحصول على التعليم والعناية الصحية والطبية والوظائف، والتي بالطبع تخدم عجلة التغيير على المدى البعيد.

بطبيعة الحال، ان هذا البحث لن يتمكن من ايجاد حل لهذا الجدل، ولكننا بالتاكيد نسعى من خلاله الى تحديد العوامل والسبل التي تساعد في التفاوض والوصول الى نتائج مرضية في هذا الجو السياسي.

اما من الناحية الاكاديمية، اود ان اشير الى ان الرحلة الى كردستان كانت رائعة على اقل تقدير. الانطباعات الرئيسية التي تولدت لدي خلال زيارتي هي كثافة المشاريع الانشائية، والحشود الجماهيرية المتواجدة في مناطق أربيل والسليمانية الشعبية حتى الساعة 2 صباحاً، كذلك الشوارع والمنازل الجميلة المحاطة بالتلال الخضراء (وهذا هو نفس المكان الذي التقطت به الصورة المنشورة  – الرجلان بائعي المسابح). كما ان استخدام القطع الأثرية القديمة كرمز للحضارة الكردية هو أيضا شيئ مثير للاهتمام. فعلى سبيل المثال، أعلن مجلس السياحة في حكومة إقليم كردستان استخدام “قرنفل التفاحة” رسمياً كأول رمز كردي يعكس ارث الحضارة الكردية.

ان اعظم كنز لأي منطقة هو شعبها، لهذا فان كل من شعب أربيل والسليمانية على اتم الاستعداد وبجاهزية عالية لمواجهة التحديات التي تنتظرهم. وخلال الاسبوعين التي زرت بها كردستان كان من المستحيل أن انسى ما لمست من مشاعر المودة والدفء الكبيرين التي يتمتع به الناس الذين التقيتهم هناك.  كما ان انفتاحهم وتفاؤلهم بشأن مستقبلهم واعتزازهم بهويتهم وانجازاتهم كان شيئا ملحوظا ومن صفات شخصيتهم.

zeynep2

بائعو المسابح في سوق السليمانية الشعبي

zeynap3

الدكتورة زينب كايا عضوة في ادارة جامعة “لندن سكول اوف ايكونومي” حيث أكملت شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية المختصة بالتفاعل بين المعايير الدولية والمفاهيم التقليديةفي الهوية الإقليمية مع التركيز على القضية الكردية. وتقود الدكتورة زينب مشروعاً يختص بالبحث في “فهم دور الأطراف الدولية في تعزيز حقوق المرأة بعد التدخل العسكري الأجنبي: دراسة حالة في إقليم كردستان العراق”، وذلك بالتعاون مع الجامعة الأميركية في دبي.

ان البحث أعلاه تم اختصاره… للاطلاع على النسخة الكاملة من البحث والتي نشرت أصلا في مدونة “لندن سكول اوف ايكونومي- مركز الشرق الأوسط”في 14 مايو عام 2014، يرجى الضغط على الرابط التالي :

http://blogs.lse.ac.uk/mec/2014/05/14/initial-reflections-from-a-research-trip-to-the-kurdistan-region-of-iraq/

Leave a Reply

Translate »