جيل من الشباب القوي في مواجهة لسرقة مستقبله

امريان السهيل

ما الذي يتبادر إلى ذهننا عندما نسمعamriensuhail ‘الشرق الأوسط’؟ دعوني أخمن بطريقة قد تكون قاسية بعض الشيء ..  عبارة قد تعني إرهاب، داعش، قنابل،  تهديد او حتى  تعني الخطر؟

بداية اسمحوا لي أن اعرفكم بنفسي، انا امريان السهيل. ابنة فخورة بوالد عراقي وأم بلجيكية. جواز سفري اوروبي كما هو الحال فيما يخص نمط حياتي، لكن الدم الذي يجري في عروقي هو دم عربي اصيل. اما بالنسبة الى السؤال الذي اثرته من قبل، فان ما يدور في ذهني عند سماع عبارة “الشرق الاوسط” يمكن وصفه بعبارة  “جنتي على الارض” .

استطيع القول ان حديثي هذا قد اغضبكم لذا فأنا ادين لكم بتفسير لما اقول. من حسن حظي انني زرت بلدي عدة مرات قبل الحرب عنما كنت فتاة صغيرة، مذاق الطعام والحلويات كان لذيذاً، الفوضى في الشوارع رائعة، الموسيقى، المساجد الجميلة، التاريخ، الاحساس بان “الحياة حلوة”… والأهم من هذا كله فان لدي العديد من بنات وأبناء الاخوة، العم والعمة، وعائلتي الجميلة المدهشة .

فجأة تغير كل شيء. احداث 11 سبتمبر  ثم الحرب في 2003، اعتقال صدام حسين …وهلم جرا. ذهني اليافع والساذج انذاك بدأ يبذل قصارى جهده في محاولة لفهم تلك الاحداث المرعبة  وبطريقة تتمحور حول حقيقة معينة: ان رحلاتي إلى جنتي على الأرض لم تعد خيارا. بالتأكيد مرت عشر سنوات على تلك الاحداث ولكنها مرت ببطء. وكما نعلم جميعا، يمكن أن تجري امورا كثيرة خلال عقد من الزمن. الناس يكبرون في السن، والحقائق تصبح ذكريات،  وكذلك أصبح حال مدينتي الجميلة  على ما هو عليه اليوم. كانت عجلة الزمن تمر بسرعات مختلفة خلال تلك السنوات العشر.  واصبح من الصعب مواكبة سلسلة الأحداث الرهيبة التي جرت خلال تلك الاعوام. لكنني وفي نفس الوقت اكتشفت جمال بلدي  بطريقتي من خلال البحث في الماضي ، وزيارة الدول المجاورة واحياء ذكرياتي بمليون طريقة  وطريقة. كنت احلم بإعادة استكشاف بغداد القديمة حيث الثقافة كانت تزدهر حينها والفكر كان محوراً أساسيا. انها جنتي الصغيرة على الأرض.

وأخيرا ، وفي عام 2012 أصبح حلمي حقيقة، رحلة العودة الى ارض اجدادي. بعد بضع ساعات فقط من الوصول الى جنتي، سقطت من تاسع سحابة على قدمي في الارض، وبعد ان اصبحت أمام هذا الواقع القاسي، من تدمير وحزن وفقر وكراهية، رأيت رجال الجيش ينتشرون في كل شبر والجنود يفحصون كل سيارة. شعرت بحزن. ولكن رغم كل الصعاب، انقشعت الستارة الرمادية الكثيفة من أمام عيني، وعدت لأرى جنتي على الارض. الطعام كان لذيذا كما هو، والتاريخ الملهم هو نفسه كما كان عليه من قبل، وللموسيقى نفس النغمات السعيدة ، حتى عائلتي اصبحت أروع مما كنت اتذكر. هكذا هي الحياة، كل شيء يذهب بسرعة، كل شيء يتطور، ولكن في الحقيقة لا شيء يتغير ..

وهذا ما يضعني امام لغز  أواجهه الآن. أنا على يقين من أن داعش ستنهزم في نهاية المطاف. التاريخ يعلمنا أنه حتى أقوى المجتمعات يمكن أن تسقط عند فكرة مشتركة وموحدة من اجل مستقبل مفعم بالأمل. لكن قلقي الرئيسي هو: “ماذا سيحدث بعد ذلك؟” خصوصا وانني أرى الان الكثير من الاستعدادات للحرب والدمار، وبالمقابل القليل فقط من الإعدادات للمستقبل. اتساءل ما مستقبل هذا الجيل القادم، والذي ينشأ اليوم على  واقع الحرب والدمار والتهديدات والقنابل ؟ أنا لا أؤيد فكرة التغيير من خلال سن قوانين جديدة او مجموعة أخرى من الألاعيب السياسية. برأيي المتواضع لا يمكن تحقيق تغيير حقيقي إلا من خلال  الداخل. ولهذا السبب فانني اؤيد تمكين الشباب لكي يكون لديهم الوعي لما يدور من احداث ووضعها في الخلفية التاريخية والثقافية،  من أجل الا يكرر هؤلاء الشباب نفس الالاعيب  والاحداث التي تجري على الساحة منذ عدة عقود وحتى الآن.

ان التعليم ، أكثر من أي شيء آخر، الاداة السحرية للتغيير والتمكين لجيل كامل والذي من شأنه ان يقود إلى مستقبل واعد في النهاية كما انه  سيسمح بخلق وجهات نظر بناءة لم يعرفها جيل اليوم. برامج التعليم المستدامة باستطاعتها ان تحول المرايا الى نوافذ لهؤلاء الأولاد والفتيات الصغار، لتعكس واقعاً خاصا وعقلية واعية في المجتمع بأسره، وعلى نحو ما، تتيح لهم التصرف بناء على ذلك.  ان القرارات التي تتخذ في يومنا هذا من شأنها ان تسرق مستقبل جيل كامل. وأنا أعلم يقينا أنه بغض النظر عما يحدث،  حيث يمكن أن يُحرم  هؤلاء الفتيان والفتيات من  ذويهم، اومنازلهم، اومدارسهم، وحتى فرحتهم… لكن لا يمكن سرقة احلامهم ورؤيتهم للمستقبل. ومهما كان الجنون والظلام الذي يسود العالم الآن، أعتقد أن جيل الشباب يتمتع برؤية واضحة سيمكنه من خلق وطنأ ساطعا … رؤية هي اقوى من اي سلاح عرفه تاريخ البشرية.

Leave a Reply

Translate »