عدت اليك يا بغداد

photo

بقلم: هيام

اعود الى مدينتي بعد غياب دام 36 عاما .. تمر بنا السيارة بمناظر شتى، تتغير من الصحراوية خارج البصرة الى بساتين النخيل، وكل نخلة وعسوها مثقّل بالتمور.. استغل الفرصة لتحليل ما يدور في ذهني ..انا  لا اشعر بشئ … بل اشعر بالعديد من المشاعر … لا اعلم.

 

واردد اسمها ..بغداد ..  بغداد.. وكم يحمل من معان اسمك الجميل .. كم هو عظيم من اسم وكم له من وطئ … بغداد يا دار السلام ..المدينة المدورة ..مدينة الخليفة ابو جعفر المنصور .. بغداد الجمال والرومنسية والشعر .. بغداد دجلى والف ليلة وليلة … بغداد المتألقة منذ بناؤها سنة ٧٦٨م .. بغداد مدينتي التي غادرتها عام ١٩٧٦ كي اعود بعد اكمال دراستي الجامعية عام ١٩٨٠… غير اني لم اعد الا بسنة ٢٠١٤

 

كم قضيت من ساعات في الغربة وانا احلم بسمائك يا بغداد، بسماءٍ مرصعة بنجوم متلألئة لم ار مثلها من سماء .. وكم حلمت باوقات كنا انا واختي نقضيها بالتطلع للغيوم لكي نشبهها برأس ارنب او اسد ونحن مستلقيتان على الحشيش تحت شمس الشتاء الدافئة. اغمض عيناي كي ارى اشجار اليوكالبتوس الشامخة واسمع سمفونية صراصر الليل تتعالى مع زقزقة المرجوحة ونحن ننتظر بشوق عودة والدنا من العمل كي تقدم لنا امنا الرقي البارد والجبن الابيض ونحن نتسابق لنجلس بثنايا دشداشة بابا وهي احلى المراجيح.

رائحة الزهور تختلط مع رائحة الرقي والنعناع مثلما تختلط ذكريات طفولتي مع ذكريات مدينتي. ولا زلت ابحث عن شئ يمكن ان يضاهي روعة امسية في حديقة بيت بغدادي

 

وبلغت من العمر ستة وثلاثون عاما وادركت وقتها اني قد قضيت ١٨ عاما في العراق ومن ثم نفس المدة في انكلترا.  نصف عمري !! فقررت في مصباح ميلادي ال٣٦ بأنني سوف اقنع نفسي بان سكني هو في لندن وأن اتقبٌل الحقيقة المؤلمة وهي ان بيتي لم يعد في بغداد.

ويا له من حزن ويا له من جرح …

 

وكنت اجلس بين فترة واخرى واسلك الطرقات في مخيلتي … من البيت للمدرسة ومن البيت الى نادي العلوية..من البيت الى اسواق الشيخلي والى جامع دراغ …من المدرسة الى شارع النهر … اعيد هذه الطرقات وانا اتشبٌث بالصور والاصوات .. اتشبث كغريق متمسٌك بحجارة مبللة يفقد قدرته على ان يتمسك بها.. وشيئا فشيئا بدأت الذكريات تتهرب مني وكأن بغداد تتبخر بين يدي وانا عاجزة عن التمسك بها..

 

ولم يبق لي سوى صور وخارطة مدينة بغداد اللصقة على جدار غرفتي.. وذكرياتي

 

ولكن لنعد الى اليوم .. وصلنا واخبرني زميلي بوصولنا .. هذه بغداد؟ ادخل الى مدينتي كسائحة لا اعرف شيئا؟  ولكن بعد قليل وبعد توقفي عن البكاء والعويل رأيتها… بغداد.  باغ داد .. الحديقة الجميلة … هبة من الله … اي الترجمتين من الفارسية تعني الشئ نفسه:   بغداد الجميلة. مدينتي وحبيبتي…القاك  بعد عمر طويل وكلانا قد أكل الدهر علينا وشرب ولكنك بعيني تبقين شابة متألقة جميلة.  بغداد مدينة الرشيد  ومدينتي. وما زلت مغرمة بك يا بغداد

Leave a Reply

Translate »