تمكين المرأة من أجل أمة متمكنة

legal2

المحامية ريا أبو كلل، مؤسسة “مجموعة المحاميات في الشرق الأوسط” وعضو لجنة في “مجموعة سيدات الأعمال الدولية” (أبوظبي)، تسلط الاضواء من خلال هذا المقال ومن منظور قانوني على أهمية إدماج المرأة العراقية في القطاع الاقتصادي باعتباره أمر حيوي لنمو أي بلد.

بقلم: ريا أبو كلل

شاركت المرأة العراقية منذ العام 1920 في القطاع الاقتصادي في العراق. ومنذ عام 1950، تتمتع النساء  العراقيات بحقوقها الأساسية كاملة. حيث شهد ذلك “العصر الذهبي” مستوى عالي من النمو والدعم للمرأة العراقية  بحيث اصبحت نساءنا آنذاك  في الطليعة على المستوى العالمي مقارنة بمثيلاتهن من النساء ذوات الثقافة والمهنية العالية . فعلى سبيل المثال، أسست الناشطة البارزة في حقوق المرأة العراقية، أسوى الزهاوي، جمعية النهضة النسائية في عام 1923.  ولم تقف نشاطاتها عند هذا الحد بل قامت الجمعية بإصدار مجلة “ليلى” والتي تخصصت في دعم وتعزيز حقوق النساء في التعليم والعمل. أما على الصعيد السياسي فقد شهد الدستور العراقي تغييراً العام 1979  من خلال سن القوانين التي تلزم بالمساواة الاجتماعية بين الرجال والنساء، مما يعني منح المرأة حقها في التعليم والعمل جنبا إلى جنب مع الرجل دون تمييز.

وكان لدعم المرأة العراقية آنذاك نتائجه الايجابية والتي بدت جلياً من خلال انخراطها بالعمل في القطاع الاقتصادي، حيث شهد العراق في العقود التالية نمواً اقتصادياً سريعاً.وهنا تجدر الإشارة إلى ان نسبة النساء العاملات قبل العام 2003 بلغت على الاقل 35٪ من مجموع القوى العاملة.

لكن العقوبات الدولية التي فرضت على العراق عام 1990 ثم الحرب في  عام 2003 أدت إلى تراجع حقوق المرأة بشكل كبير؛ هذا بالاضافة الى تراجع نسبة النساء العاملات مما يدل على انسحاب المرأة العراقية من سوق العمل.  لقد تدهور وضع المرأة العراقية السنة تلو الاخرى، وعلى مدى السنوات الـ 11 الماضية، ونستطيع القول  بأن أبسط حقوقها الأساسية – بما في ذلك الأمن، والرواتب، والبدلات الأساسية – قد سُلبت منها. وبالرغم من الجهود والمساعدات التي تبذلها المنظمات غير الحكومية والمجتمع الدولي ووكالات التنمية المتعددة لحماية حقوق المرأة العراقية وإدماجها في الاقتصاد العراقي، الا ان غالبية النساء العراقيات اليوم غير مؤهلات اقتصاديا وما زالت الكثيرات منهن عاطلات عن العمل.

اما من الناحية الدستورية، فان المرأة فقدت عددا من الحقوق الأساسية. حيث يمنحها الدستور الحالي الحق في منحها فرص عمل متساوية شأنها شأن الرجل (دون تمييز)، لكن بعض بنود  الدستور وخصوصا فيما يتعلق بقوانين الاسرة وقانون العقوبات فهي ما تزال تمييزية، مما أدى الى ان تكون خيارات المرأة في القطاع الاقتصادي محدودة.

ووفقا لتقرير الأمم المتحدة الصادر في 2013 فإن نسبة النساء العاملات بلغت فقط 18٪ من مجموع القوى العاملة مقارنة بـ 81٪ من الرجال. وتعتبر هذه النسبة متدنية مقارنة بالدول الأخرى في المنطقة. كما اشار التقرير الى ان النساء ذوات المستوى التعليمي المتواضع هن اقل حظاً في الحصول على عمل.

علاوة على ذلك، هناك ما يقدر بمليون الى ثلاثة ملايين امرأة عراقية من الارامل او غير متزوجات واللواتي يقع على عاتقهن إعالة اسرهن في العراق، ناهيك عن ان واحدة من كل عشرة اسر في بغداد تفتقد الى معيل حيث ان المرأة هي رب الاسرة الوحيد فيها.

في بلد كالعراق، حيث يعتبر من الدول الناشئة اقتصاديا ، والذي يتطلب تنمية اقتصادية سريعة، فانه من الضروري العمل على استغلال جميع الموارد البشرية المتاحة؛ لذا فان عدم ادماج المرأة بالقدر الكافي كقوى عاملة خيار غير مقبول.  وهنا يجب التأكيد على  انه من الضروري ان تتضمن خارطة الطريق الاقتصادية لأي حكومة، المرأة كعضو اساسي في العملية الاقتصادية. ان الاقتصاد الشامل والذي يمثل كل الشعب العراقي، والذي لا يقتصر  فقط على “الذكور” 45% ،  لا يعتبر مجرد اقتصاد قابل للاستمرارية، بل هو اقتصاد ناجح.

وفي تقرير نشرته مؤخراً “برايس ووترهاوس كوبرز”، معتمداًعلى سياسات التمكين الاقتصادي للمرأة في دول أخرى، اشار الى ان تعزيز التنمية الاقتصادية في اي بلد يصاحبها ميزات وفوائد اخرى تشمل القضاء على الفساد والعنف  بالاضافة الى تحقيق المزيد من الاستدامة البيئية.

ومن اجل زيادة الفرص الاقتصادية للمرأة العراقية، على الحكومات والمؤسسات و القطاع الخاص العمل معا لإنشاء منظمات تدعم البرامج الاقتصادية للنساء. هناك حاجة إلى التركيز على تعزيز التعليم ورفع الوعي المجتمعي، وتعزيز الحماية القانونية وتخصيص الموارد. ان دعم القطاع الخاص أمر حيوي حيث ان الشركات الدولية التي تنوي الدخول الى العراق تتوقع وتؤازر القوانين المتقدمة والمتطورة في مجال حماية المرأة العاملة.

نحن بحاجة إلى الحصول على فرص وظيفية بصورة أفضل وأشمل، كما يجب ان تتوفر بيئة اقتصادية توفر الدعم لنا كسيدات اعمال وموظفات، ويتوجب على المؤسسات المالية ان تقدم الدعم المالي لنا.

أخيرا، ومن المهم  التأكيد على انه لا يمكن لأي بلد او مجتمع ان ينمو ويستقر ما لم يكن مبنياً على تمكين المرأة اقتصاديا…. ان بلدنا العراق لا يمكن ان يتجاهل نصف سكانه بهذه السهولة!

للاطلاع على مواضيع سابقة بقلم ريا أبو كلل اضغط هنا

Leave a Reply

Translate »