نهاية اللعبة…. عراق لنا جميعاً

IMG_0057 

النائب في البرلمان العراقي ميسون الدملوجي تتحدث  إلى فريق “نينا”، مادلين وايت وسناء بكي، عن أهمية تنمية القطاع الخاص، والتمكين الاقتصادي للمرأة والتراث الثقافي…

 

ميسون الدملوجي: العراق ليس مجرد “حقل نفط”! انه أكثر من ذلك بكثير…. انه وطن يحكي تراث أجدادنا وآثار تاريخية لمملكات قديمة بقدم الانسان

 

أدارت الحوار: مادلين وايت وسناء بكي 

عرفتُ عن ميسون الدملوجي من خلال مجلة “نون” المتخصصة بشؤون المرأة العراقية ، من خلال عملي لإطلاق مجلتنا “نينا” كمؤسسة ورئيسة تحرير للمجلة.  هذه المرأة العراقية  التي عاشت في المهجر لسنوات وتخصصت في الهندسة المعمارية من احدى جامعات بريطانيا… وهي ناشطة لحقوق المرأة ومؤسسة لمجلة “نون”… وهي ايضا رئيسة “التجمع النسائي العراقي المستقل” المعنية بحقوق المرأة العراقية. كما تبوأت ميسون منصب نائب وزير الثقافة في العراق…   وتاريخها حافل  بالنشاطات السياسية والثقافية المعنية بوطنها  في داخل العراق وخارجه. 

في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها العراق والتشكيلات الحكومية التي تجري الآن على أعلى المستويات السياسية في العراق… في ظل كل هذه الاحداث الساخنة  كنا سعداء كصحافيتين بعقد  لقاء مع النائب ميسون الدملوجي والتي تحدثت خلاله بكل صراحة وجرأة فيما يخص اوضاع المرأة في العراق.

وأود الاشارة في هذا الصدد ان لقاءنا لم يخلو من التكنولوجيا  الحديثة كوسيلة اتصال حيث تلاقت ميسون شخصيا مع نائب رئيس التحريرسناء بكي  في الاردن بينما كنت اشاركهما هذا اللقاء من بريطانيا من خلال السكايب… 

بدأت حديثنا بسؤالها إن كانت تفضل ان ادعوها ميسون دون ألقاب؟

فأكدت لي انها تفضل ان نناديها باسمها دون القاب ليكون لقاءنا حقيقيا وصريحاً وخالياً من اي مجاملات 

بخبرتي الصحافية قررت ان ابدأ لقاءنا بسؤالها عما تعتبره لحظات مهمة في مسيرتها السياسية… فأجابت: 

أعتقد  انه من اهم وأولى اللحظات التي مرت في حياتي هي عندما عدت إلى العراق عام 2003. كان مقرراً ان تدوم زيارتي انذاك مدة  3 أيام فقط. ولكن ها أنا الآن وبعد مرور 11 عاما ما زلت في العراق فقد  دام بقائي في وطني منذ ذلك الحين، ليكون لي دور فاعل داخل العراق من خلال دوري كنائب في البرلمان والذي حقق انجازاً عظيماً  في الاونة الاخيرة، وذلك بتغيير القيادة في الحكومة. أنا فخورة جدا أن اكون جزءا من هذا التغيير خصوصا وان انتقال السلطة تم بشكل سلمي وديمقراطي.  فقد تم انتخاب رئيس وزراء جديد وتحقق انتقال السلطة له  دون معارك أو إراقة الدماء… انهاالمرة الأولى في تاريخ منطقتنا ومنذ 6000 الاف سنة يحدث انتقال للسلطة بهذا النهج  الديمقراطي. 

كما اود الاشارة انني اعتبر مبادرتي في تأسيس “التجمع النسائي العراقي المستقل” عام 2003 وكذلك مجلة “نون” المعنية بالمرأة من اللحظات والنجاحات المهمة في مسيرتي العملية.. وأود ان اشير في هذا السياق ان الكثير من النساء انضممن الى “التجمع النسائي العراقي المستقل” واصبحنا كالعائلة الواحدة.

في الاساس، أنا أؤمن بأهمية القطاع الخاص وكذلك منح الفرص للنساء… ان “التجمع النسائي” يمنحني القوة والاصرار على هذه المبادئ الراسخة  في نفسي، رغم ان مثل هذه المبادئ تواجه تحديات صعبة في ظل الظروف الراهنة. 

نحن النساء في “التجمع النسائي” تربطنا اواصر قويةمن العلاقات. … والقاسم المشترك بيننا هو “انوثتنا” التي تمنحنا القوة والاصرار حيث تواجه المرأة القيادية تحديات كبيرة، خصوصا في منطقتنا. ان وجود شبكة فعالة للتواصل بين النساء مثل التي نتمتع بها  من خلال “التجمع النسائي” تمنحنا الدعم والترابط ويمكن الاستفادة منها بطريقة اكثر فاعلية من اي من المنظمات التي تبدو أكثر نموذجية. أجد انه من المهم جدا ان تربطني صداقات متنوعة مع النساء في مختلف المجالات سواء في محيط عملي  او من القياديات السياسيات او من يعملن في مجالات اخرى. 

تطرقت الى التحديات التي تواجه المرأة القيادية…. هل تشكل هذه التحديات عبئا اكبر على المرأة من الرجل، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا برأيك؟

بلا شك ان التحديات التي تواجهها المرأة القيادية هي اكثر بكثير مما يواجهه الرجل! أعتقد ان المرأة القيادية تقع تحت دائرة تسليط الضوء عليها بكل ما يحمل بين طياته من سلبيات والتي ليس لها علاقة بكفاءتها او عملها. دعيني اعطيك مثلا… كثيرا ما توصف احدى القيادات النسائية بأنها “قبيحة” أو “ممتلئة”…انهم لا يقولون هذا عن الرجال!

IMG_0058

النائب ميسون الدملوجي تتصفح “نينا”

سأعطيك مثلاً آخر… كثيراُ ما تتعرض النساء للشائعات على غرار ما حدث معي اخيرا… حيث انتشرت شائعة بأنني عضوة في “داعش”… هل لك ان تتخيلين هذا!… هل يُعقل هذا وينسجم مع  ارائي ومعتقداتي التي ادعو اليها عبر المنابر المحلية والدولية…وهل ينسجم مع اسلوبي في الزي الذي ارتديه …. ان مثل هذه الشائعة السخيفة اضطرتني الى اصدار بيان صحفي ينفي مثل هكذا شائعة… دعيني اضف لك شائعة اخرى ولكنها مسلية… عندما حضرت حفل استقبال في الاتحاد الاوروبي كنت جالسة قرب احد الصحافيين وما ان ظهرت صورتي معه في وسائل الاعلام حتى انتشرت شائعة بأنني قد تزوجت سراً من ذلك الصحافي… مرة اخرى اضطررت لاصدار بيان صحفي لنفي هذا! 

وهنا اود ان اؤكد ضرورة ان تبتعد الصحافة عن المبالغة وألا تكون وسيلة لنشر الاشاعات. أجد في مجلة “نينا” صحافة المواطن خصوصا وان ما  يميزها هو نشرها لقصص حقيقية عن أناس حقيقيين، هدفها واضح وفعال وهو تعزيز تمكين المرأة!

اشعر بأن الشغف والحماس يتملكانك في كل كلمة تقولينها . ..كيف تولد لديك هذا الحماس والاصرار؟

 هذا يعود الى السنوات التي عشتها في المملكة المتحدة… على سبيل المثال كنت انتمي الى  حركة نيلسون مانديلا الحرة والتي تؤيد  اختلاف الرؤى المستقبلية … وتؤمن بأن على الانسان  أن يعلي صوته من اجل حقوقه. … لذا اجد انه من واجبي الآن ان اجعل صوتي يعلو ضد هذا النوع من الصحافة السيئة وان أجعل من شبكات التواصل الاجتماعية منبرأ لنشر الموضوعات التي هي ضمن اولوياتي. على سبيل المثال، أنا حريصة جدا ومن ضمن اولوياتي في ظل الاحداث الراهنة ان اتحدث عن الانتهاكات والدمار الذي حل بتراثنا الثقافي في شمال العراق. 

كانت قد تطرقت محطة الـبي بي سي البريطانية الى مثل هذا الموضوع، لكننا كأسرة “نينا” يهمنا جدا ان نستمع الى ارائك الحماسية في هذا الجانب خصوصا كونك نائبا لوزير الثقافة سابقاً.

ان التراث الثقافي لوطننا يحدد هويتنا كشعب حاضرا ومستقبلا.  على الجميع ان يدرك ان العراق ليس مجرد “حقل نفط”! انه أكثر من ذلك بكثير…. انه وطن فيه تراث اجدادنا واثار تاريخية لمملكات قديمة بقدم الانسان . ان ما يجري الان من تدمير لهذا التراث وهذه الاثار في مدينة الموصل “جوهرة المدن” على ايدي داعش لهو كارثة بحق الانسانية … لقدم تم “محو” معالم المدينة بكل تراثها التاريخي والثقافي الغني والقديم.

وهذا باعتقادي يمحي هويتنا كشعب، لانه من الضروري ان نعرف تاريخنا وتراثنا لنبني عراقاُ اقوى.

انني اتطلع بكل امل الى القوى الدولية التي عادت وتكاتفت لتنتشل العراق من كارثة “داعش”. علينا ان نستغل هذه الحماية الدولية لاسترجاع تاريخنا وخلق مستقبلنا.

العراق هو جزء مهم من تاريخ البشرية  …واستطيع القول بان هذه المواقع التاريخية تمثل جزءا ولو قليل من الإنسانية في داخل كل منا. 

ماذا تعني كلمة “الانسانية” بالنسبة لك؟

على المستوى الشخصي، هذه الكلمة تعني لي الكثير…انها تعني لي وجودي وكينونتي. … انها تعني لي الكرامة… كرامة شعبنا… تنهمر دموعي عندما تلجأ الي الامهات محملات بمآسيهن التي تحكي حوادث خطف او موت ابنائهن وبناتهن والتي اصبحت واقع حال في حياتنا اليومية. ورغم الوضع المأساوي والحرمان الذي يمر به شعبنا فانهم صامدون في وجه الرياح العاتية التي تضرب كل بيت عراقي لكي يعيشوا حياتهم بكرامة وعزة. وهذا ما يجعلني بالحقيقة ابكي عندما التقي مع هؤلاء الامهات اللواتي يتحدثن عن مآسيهن ولكن يطغي على حديثهن كرامتهن اولاً وأخيراً…. كرامة شعبنا العراقي تحرك في مشاعري وتعني لي انسانيتي… 

الفقر والحرمان … أفترض انها قضايا يود اي سياسي ان يجد لها حلولاً…. إذا ما توفرت لديك عصا سحرية لتحقيق ثلاث رغبات تتمنينها لدعم المرأة، فما ذا ستفعلين بهذه العصا لتحقيق هذه الرغبات الثلاث

–         أولا اود القضاء على الفقر…  الاستثمار القوي داخل العراق هو الحل، ويجب ان يكون مستندا على أساس مجتمع مدني مستقر .

–         ثانيا: أود أيضا القضاء على الزواج القسري… هذا النوع من الزواج إهانة للإنسانية ويجب محاربته والقضاء عليه.

–         ثالثاً: الحفاظ  على تقاليدنا وتراثنا الوطني، لأنه سيمنحنا أساسا قوياً لبناء مجتمع مدني متحضر ومتطور.

تطرقت الى الاستثمار داخل العراق، رغم الوضع الراهن في البلد. برأيك ما مدى أهمية  القطاع الخاص في العراق؟

أنا اؤمن كثيراً بأهمية القطاع الخاص… حالياً تتحمل القطاعات الحكومية العبء كاملاً الى الحد التي يتم فيه استيراد الطماطم!  رغم ان الثقافة الاشتراكية ما زالت مترسخة في عقول العراقيين… أعتقد أن المسألة تاريخية. ومع ذلك، من أجل مواجهة التحديات نحن بحاجة إلى تبني القطاع الخاص –  والذي يكون محكوما بقوانين صحيحة وبشكل منظم! الاستثمار في داخل العراق يعني الضغط من الخارج لتسير العملية بكل شفافية وقانونية…. ان تبني القطاع الخاص بهذا النهج  لن يقتصرعلى ضخ النفط  العراقي داخل خط انابيب ، بل  سيخلق خطوطاً لضخ الفرص للعراقيين! 

من الواضح انك توجهين دعوة للاستثمار داخل العراق رغم الوضع الحالي؟

بالتأكيد! عندما عدت إلى العراق في عام 2003 كانت نظرتنا  للامور ساذجة في نواحي عدة. كانت الأمور أكثر صعوبة مما كنا نتخيل. وكان العراق مختلفاً جدا عن الذي كنت قد تركت، خاصة في مجال حقوق الإنسان وقضايا التكافؤ النوعي. لم نكن نعول على التاثير الكبير لمفهوم القبلية داخل مجتمعنا، ولم نولي له الاهتمام الكافي. وكذلك الحال لمفهوم الطبقية  حيث الفوارق الهائلة بين الطبقات الثرية في المدن والطبقات الفقيرة في الريف والتي يمكن أن تؤدي إلى العنف.

برأيي اننا اضعنا الكثير من الفرص وارتكبنا اخطاء جمة ، وهذه هي احدى الاسباب التي أدت بنا الى الاحداث التي تجري الان في العراق. لا يمكننا الاستمرار بالاعتماد على الدعم الخارجي للحصول على حقوقنا. ها نحن الان ومرة اخرى نعتمد على الدعم الانساني والعسكري لحل ازمة داعش في العراق. يجب علينا تصحيح هذا الوضع. وهذا يتحقق من خلال بناء مجتمع قوي ومتماسك قادرعلى الاعتماد على نفسه… مجتمع يتكاتف فيه الشعب العراقي بمختلف مكوناته وأطيافه وقبائله وطبقاته من أجل عراق أفضل… عراق  ينتمي لكل عراقي، رجالاً ونساء وأطفالاً… هذه هي رؤيتي المستقبلية لـ”نهاية اللعبة”.. عراق مزدهر .. عراق لنا جميعاً.

انها دعوة من النائب ميسون الدملوجي ليتكاتف الشعب العراقي بمختلف مكوناته واطيافه وطبقاته من اجل خلق بيئة مواتية لدعم القطاع الخاص والاستثمار داخل العراق….

ومن خلال الوقت الذي قضيناه معاً في هذا اللقاء استطيع القول ان شخصية ميسون تتسم بالعاطفة، والحماس والاصرار والايمان بإعلاء صوتها من اجل عراق أفضل. لقد رسمت ميسون رؤية مستقبلية للعراق غير محكوم بالنفط كمورد وحيد لاقتصاد البلد  ولا ينتمي الى اي معارضة  ولكن الى شعب واحد يعمل يداً بيد، يسوده الاحترام لتاريخه وبنفس الوقت يتطلع الى مستقبل يحمل بين طياته الفرص والأمل في عراق مزدهر… عراق الشعب بكل مكوناته.

  

والى لقاء آخر  الاسبوع القادم مع القيادية بروين بابكر حمة اغا…  وزيرة الصناعة والمعادن لحكومة اقليم كردستان سابقاً ,ورئيسة المجلس التنفيذي لكل من مجموعة “WZA” ومجموعة “Nokan ” حالياً.

Leave a Reply

Translate »