أنا واللون الرمادي

point-of-view

أُنس الشبيب بابان

للألوان طريقتها في تفسير الحياة. أنا كمهندسة معمارية أرى الحياة من خلال الألوان والتراكيب أكثر من غيري. قبل سنين كان تفكيري مختلفا. كنت أعتقد أن كل شئ أما أن يكون صح أو خطأ، أبيض أو أسود….. والصح هو الصح الذي أعتقده أنا وكل من يخالفني الرأي هو على خطأ.

مع السنين تغيرت كثيرا وأنا فخورة بذلك.

مايجري حولي وفي العالم من مآسيالآن ذكرني بما كتبته قبل مدة، أرجو أن تكون الفكرة واضحة:

 

————————

إن تجربتي مع اللون الرمادي اعقد مما يبدو في الوهلة الأولى.

قبل سنتين أو ثلاثة قرأت رسالة من امرأة فاضلة قالت فيها أنها تعشق اللون الرمادي لأنه لون السماء عندما يتكرم الله علينا بنعمة المطر. ولكوني أحب المطر أصلاً بالإضافة لكوني أعيش في بلد يعز فيه الماء فإن تلك الكلمات لمست شغاف قلبي وجعلتني أغير نظرتي إلى ذلك اللون.

لقد كان اللون الرمادي يمثل التشاؤم بعينه بالنسبة لي. كان حزينا، كئيبا وقاتما. كنت أراه مملا ومتحفظا أكثر من اللازم. كل ذلك كان لا يعني شيئا عندما تقارنه بالشعور المزعج الذي يلازمني عندما يظهر الشعر الرمادي على جذور شعري بسبب انشغالي وتأخري عن صبغه.

أما الآن وبعد أن قرأت تلك الرسالة، أصبحت أنظر إلى اللون الرمادي بمنظار مختلف تماما. ألرمادي الآن يعتبر من أجمل الألوان وأكثرها حداثة. بعض أأنق التصميمات الداخلية تتباهى بلونها الرمادي. مصممو الأزياء أضفوا عليه هالة من الضوء و أصبحوا يعتبرونه لونا كلاسيكيا، أنيقاً و مميزاً.

ولكن، دعونا نتحدث بشكل جدي. من وجهة نظري الآن، اللون الرمادي هو منطقة تمتد بين اللون الأسود واللون الأبيض. الرمادي يمثل بالنسبة لي العقل المتفتح الذي لا يصر على تفسير الأفكار على أنها أما تكون على حق أو على باطل ولا شئ بين الإثنين.

على مر السنين الماضية من عمري. مررت بمراحل من الإدراك تطور فيها مفهومي للحياة و للناس الذين حولي. لقد كنت أنا نفسي أُفسر المفاهيم كأمّا أبيض أو أسود. ألرمادي كان يمثل مساحة من الأفكار والقرارات الباهتة والغير واضحة. وأنا من النوع الذي يفضل القرارات والآراء الجازمة.

 

 

عندما كنت في سنين وعيي الأولى، كان للسينما تأثيرا كبيرا في حياتي. ألأفلام التي كنت أشاهدها كانت تقسم الناس إلى نوعين فقط، أما جيدين تماما أو سيئين تماما.  كنت أتوقع من الشخصيات أما أن تكون طيبة أو شريرة. والبطلة الرئيسية للفلم لابد أن تكون جميلة جدا. لم يكن من الممكن أن تكون غير ذلك. وعندما يكون الفلم عن عائلة ما مثلا، فكثيرا ما يبتدئ الفلم بعائلة في قمة السعادة. كل شيء كان مثاليا لتلك العائلة. ثم فجأة يحدث شيء ما و ينقلب كل شيء رأسا على عقب. عندما يكون الفلم حربيا فإن أحد الأطراف كان على حق والآخر كان على باطل. هكذا بكل بساطة. طبعا قد يكون كل ذلك من وجهة نظر الفتاة البسيطة التي كنتها.

ولكن لنأخذ الهنود الحمر كمثال هنا. ألم يصوروا دائما في أفلام هوليوود القديمة كأشرار قتلة؟ أذكرهم جيدا عندما كانوا يقرعون طبولهم ليخيفوا كل من في البلدة ثم يهجمون بأصواتهم الهمجية المتعالية التي تصورهم متعطشين للقتل والدمار. كانوا يهاجمون ويحرقون كل المساكن التي يطالونها و يدمرونها على ساكنيها الأبرياء. كانوا يقتلون الأناس الطيبين، البيض الشجعان. وكانوا يسلخون جلود رؤؤسهم ولا يفرقون في ذلك بين الرجال والنساء. مناظر بشعة مزعجة جعلتني أكره الهنود الحمر بإصرار.

يا الهي، عندما أعود بأفكاري إلى الوراء الآن وأتأمل تلك الأفلام يصيبني الذهول!

كم تغير العالم؟!!!

كم تغيرت الأفلام؟!!!

كم تغير تفكيرنا نحن؟ فكر فيها أنت فقد تعذرني لذلك الذهول!

الآن لا يمكن لأي أحد أن يصور “الأمريكيون الأصليون” كهمجيين وقتلة. لا يصح الآن حتى أن تسميهم بالهنود الحمر. لقد اكتشفنا أنهم قد يملكون مشاعرا وقلوبا وأدمغة تشبه التي لدينا تماما. أليس ذلك عجيبا؟

 

 

عندما أتأمل الموضوع الآن أرى فرقا هائلا في تعامل الأمريكيين مع القضايا التي تتناول التنوع في المجتمع. نتج هذا الفرق من التطور في تقبل “الآخر” وكل ما يتعلق به. نتج عنه التطور الهائل في التعامل مع السود والملونين. التطور في المساواة بين الجنسين في فرص العمل وغيرها. وغير ذلك مما يصعب علينا حتى أن نذكره في مجلس محافظ كمجلسنا. أنهم أعلنوا أنهم يقبلون الناس جميعا كما هم تماما. وليس لهم الحق في انتقاد أحد بسبب أنه يختلف عنهم.

وعندما يحصل زلزال ما في بقعة من الأرض فعلينا أن نتوقع أن التسونامي الناتج عن ذلك الزلزال قد يطال شواطئنا يوما. علينا أن نتوقع أننا سنضطر نحن أيضا في يوم ما أن نتقبل الآخرين كما هم. ولم لا؟ من منا كامل؟ لا أحد يستطيع أن يدعي الكمال. وعلينا أن نعترف بذلك. وكما قال أحدهم، “التسامح يمكنه أن يغني حياة بني البشر بطريقة مقدسة وسحرية”

كما ترون فإن رسالة تلك السيدة لم تغير فقط رأيي عن اللون الرمادي. لقد غيرت نظرتي ومفهومي للحق والباطل. لأنني الآن أستطيع أن أرى أن المفاهيم لا تتمثل دائما بأبيض أو أسود. أنها تأتي عادة بدرجات من اللون الرمادي. وطالما كان باستطاعتي أن أتقبل الأفكار التي تأتي بدرجات اللون الرمادي، فأنني أستطيع أن أُفكر بانفتاح أكثر ولن أضطر إلى تصنيف الناس إلى مؤيدين أو مناوئين لأفكاري. أستطيع أن أتقبل آراءا جديدة تختلف عن أفكاري وبالتأكيد يمكنني إن أردت أن أتعلم وأستفيد منها. وبنفس المفهوم يمكنني أن أستفيد وأغتني من الثقافات والشعوب الأُخرى.

أنا الآن أحب اللون الرمادي فهو يمثل بالنسبة لي البركة التي يرسلها الله على شكل مطر، والجمال الذي في التصاميم والملابس، و إمكانيات الحب الهائلة في التسامح.

 

Leave a Reply

Translate »