قصة نســمة

Looking Good! Header

nasma

بقلم فرح سالم

عرفتُ “نسمة”* في طفولتي وصباي كفتاةٍ مهذبة، تلتزم الصمت في اغلب الاوقات حتى في المواقف التي تتطلب منها الحديث والمشاركة، كنا جميعاً نعتقد بأن تصرفها ذاك كان طبيعياً للغاية.

لم تُجـِد نسمة فن التحدث عن أشياء مثيرة للاهتمام، ببساطة لم تكن مسلية ولم تكن من الجميلات اللاتي تليق بهن منتجات وبضائع الاسواق من الماركات العالمية. في الواقع، نسمتنا هذه كانت بدينة، بدينةٌ جداً، تنزعج الفتيات من الجلوس بقربها اومشاركتها مقعدها الصفيّ، ربما استعملت نسمة سلاح الصمت كحلٍ أوحد لمواجهة فشلها الاجتماعي، كيف لا وقد كانت تسمع رفض الطالبات للجلوس بقربها في فترة تقسيم الاماكن والتي تصادف بداية السنة الدراسية من كل عام.

“انهن على حق”.. هذا ما كان يجول في خاطرها.. “انا أقبح من ان يحبني أي شخص!”

هل كان الجميع على حق بمن فيهم نسمة لتقبّل ذلك؟ هل نحن من يجب ان يستحق اللوم؟ المجتمع الذي يتجنب من لا يتمكن من الانسجام مع ما نعتقده المقياس الطبيعي؟

في نهاية المطاف، فشلتْ نسمة في المجال الدراسي وظلت على حالها ” فتاةً صامتة” تهرب بعيداً عن اية نقاشات يمكن ان يكتنفها اهانة لشخصها. كانت ببساطة غير حاضرة.

أنا الآن أكبر سناً وأكثر فهماً. واتمنى لو انني فهمت سبب صمتها عندما كنت أصغر سناً وكنت في موضع ٍ يمكنني من خلاله ان أحدث تغييراً.

هذا القصة مهمة لأنها تبين مدى تأثير المدرسة على الفرد في سن المراهقة وهي من أكثر المراحل العمرية أهميةً في الحياة. فالمدرسة لا تقتصر مسؤوليتها على اجراء الامتحانات – بل هي التي تساعد في قولبة الشخصية. وفي رأيي، يجب ان تبدأ الرعاية التربوية من أولياء الأمر بالانتباه بشكلٍ مبكر لأي أمرٍ غير صائب. وفي وقتنا الحاضر نجد أن الباحث الاجتماعي في المدرسة قد يبادر الى وضع الضمادات عند اصابة احد الطلاب او اعطائهم “البراسيتول” لكنه لا يبدو قادراً على تشخيص المشاكل التي قد تحطم مستقبل أحدهم ان لم تعالج في الوقت المناسب.

لو كان في مدرستي حينها باحثة اجتماعية تؤدي دورها لاستطاعت ان تدمج نسمة في المجتمع المصغر للمدرسة وما كانت نسمة لتعاني بصمت. وبطبيعة الحال، يجدر بأولياء الامور ان يتعاملوا بحذر وألا يتوقف دورهم عند بوابة المدرسة. ويحضرني هنا حكمة قديمة تفيد بأن المكفوف قد يكون بصيراً في داخله لكن محيطه هو من يحاول اطفاء ذلك البصيص الذي ينير له بصيرته. دعونا إذاً نحمل شعلة الضياء، وإن كنا نحن من نلتزم الصمت، لنعي هذه القصة ونصبح أنفسنا ذلك الضياء.

*تم تغيير اسم نسمة

Leave a Reply

Translate »